تراتيل سورية .. التحالفات السياسية 1 / 2

حول التحـالف :
التحالفات تعبير عن ارتقاء في العملية السياسية . لكنها ذات حدين . حد يقوى به الوطن ، ويرتفع مستواه ويزدهر . وحد يضعف به الوطن ، وتنحدر قدراته ويتهدد وجوده . وهي ليست دائمة أو مستقرة . إذ ما أن تتغير الظروف ، والمصالح ، والغايات ، فإنها تتغير أو تتلاشى . الدائم والمستقر منها ، هي التي تستند إلى خلفية مشتركة .. وأهداف كبرى مشتركة .
ولتحديد تموضع التحالف في أي حد من الحدين ، ينبغي التدقيق ، في مدى مطابقة ، أو عدم مطابقة ، ما يقوم به التحالف ، مع مصالح الشعب الأساسية والوطنية ، والتدقيق في مآلات ما يقوم به ، من منافع أو أضرار بصورة عامة
ولأن التحالف وسيلة لتحقيق غايات ، يقتضي التذكير ، أن الغايات النبيلة لا تتحقق إلاّ بالوسائل النبيلة .

وعلى أي حال ، تعتبر التحالفات بين القوى والحركات السياسية ، استجابة للضرورة ، لاستكمال وتعزيز القوى الذاتية ، وتوفير امكانيات أوسع ، لتحقيق الأهداف ، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية . أو لاتقاء عدوان خارجي . أو للدفاع عن الوطن إن حدث هذا العدوان .

في مرحلة الاستقرار ، تقوم التحالفات ، بشكل عام ، بين قوى اجتماعية طبقية وسياسية متجانسة ، في البنية والمصالح ، وخاصة فيما يتعلق بنمط الاقتصاد ، وآفاق النمو ، وتوزيع فائض القيمة في الناتج الاجمالي .. ألخ .. وفيما يتعلق أيضاً ، بشكل ونوعية الحكم الذي يقوم بإدارة ، وتطوير ، بنى الدولة التحتية والفوقية ، والإدارية ، والخدمية ، والاقتصادية ، والدفاعية . وفقاً لما تقرره القوى السائدة ، عبر ما هو معمول به من آليات التعبير وصنع القرار .
أما عندما يصبح الوطن في خطر جدي ، أو ينقض عليه العدوان ، فإن الأمر يتطلب من التحالفات ، المتمايزة ، والمتعددة ، أن تتلاقى ، وتشكل تحالفاً عاماً ، لتحقيق الوحدة الوطنية ، ولتأمين حشد الطاقات ، من أجل الدفاع عن الوطن وحمايته .
إن التاريخ السياسي السوري المعاصر ، يقدم المثال في التحالف في المرحلتين . غير أن هذه المقاربة للتحالفات السياسية في سوريا ، ليس القصد منها هو التأريخ ، وإنما إضاءة المنحى الذي سلكته هذه التحالفات ، بوجهيه ، الإيجابي ، أوالسلبي ، وفي أي حد من الحدين الآنفي الذكر ، كان تموضعها .

التحالف في مرحلة الاحتلال الأجنبي :

في مرحلة الاحتلال الفرنسي للبلاد ، كان التحالف وطنياً واسعاً ، ضمن إطار ” الكتلة الوطنية ” 1922 – 1946 . وكان من أبرز قادتها ( شكري القوتلي . إبراهيم هنانو . صالح العلي . سلطان باشا لأطرش . محمد الأشمر . فارس الخوري . سعد الله الجابري . هاشم الأتاسي ) . وقد قادت ” الكتلة الوطنية ” الفعاليات السياسية والمسلحة والجماهيرية ، حتى تم طرد الاحتلال الفرنسي .. وانتزاع الحرية .. 17 نيسان 1946 .. وبناء دولة الاستقلال ..

الملاحظة الأولى في المشهد السوري السياسي آنذاك ، أن جماعة الأخوان المسلمين ، والحزب الشيوعي ، والحزب القومي السوري الاجتماعي ، كانوا خارج ” الكتلة الوطنية ” . الأخوان المسلمون كانوا لايخفون هواهم مع السياسات البريطانية ، والشيوعيون كانوا يتفاخرون بانتمائهم إلى الأممية الشيوعية التي تقودها روسيا السوفييتية . والقوميون السوريون كانوا يحبذون النمط النازي الحديد الألماني ، ويدعون لمجاراته في بناء الدولة .
والملاحظة الثانية ، أن العالم آنذاك كان تحت هيمنة الدول الآمبريايلية العظمى . وكانت روسيا السوفييتية منخرط في مرحلة بناء نظامها الاشتراكي . ما يعني أن نضال ” الكتلة الوطنية ” كان بدون جدار .. بدون حليف دولي .. يدعم أنشطتها وأهدافها . وتعاطفها مع المحور النازي المعادي لفرنسا وبريطانيا أعداء البلاد ، في الحرب العالمية الثانية ، كان عابراً ، ولم يؤثر في خياراتها الوطنية .
والملاحظة الثالثة ، هي أن ” الكتلة الوطنية ” ، قد تأسست وناضلت ضد التدخل والاحتلال الخارجي . وحققت من خلال كفاح شمل كل القرى والمدن السورية .. الحرية والاستقلال .

إن الزعماء والقادة ، الذين شاركوا في النضال التحرري ، بصرف النظر عن خلفياتهم الاجتناعية ، وقادوا الشعب السوري ضد المحتل لأجنبي ، قد اكتسبوا احترام الشعب وتقديره .. على امتداد التاريخ الوطني .. في الماضي والحاضر والمستقبل .

التحالف بعد الاستقلال :

بعد الاستقلال ، اتجهت القوى السياسية إلى بلورة وتعزيز قواها الذاتية ، وإلى النشاط الحزبي ، وفق برامجها . وكان أول تحالف سياسي كبير ، شبه شامل ، قد ظهر في عهد الديكتاتور أديب الشيشكلي 1951 – 1954 . وكان من أبرز نشاطاته هو ، مؤتمر حمص ( تموز 1953 ) الذي وجه إنذاراً إلى الديكتاتور ” لإعادة الأوضاع الدستورية ، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ، ووقف الحرب الأهلية في جبل العرب ” .
وقد حقق المؤتمر هدفه بإسقاط الشيشكلي في 14 شباط 1954 .

ثم كان ثاني تحالف كبير في أواسط الخمسينات سمي ” التجمع القومي البرلماني ” الذي قاد النضال الوطني ضد ” حلف بغداد ، المؤلف من ( العراق الملكي ، وإيران الشاه ، وباكستان ، وتركيا ، وفرنسا وبريطانيا ) تدعمه الولايايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ، والرجعية العربية . وقد ضم هذا التحالف ، النواب في البرلمان ، الممثلين ، للحزب الوطني ، وحزب البعث العربي الاشتراكي ، والحزب الشيوعي ، وكتلة خالد العظم من المستقلين .
وفي عهد ” التجمع القومي البرلماني ” تم تشكيل حكومة وحدة وطنية ، قادت البلاد ضد الحصار الاستعماري الرجعي ، مستندة إلى الجيش الوطني ، وإلى المقاومة الشعبية ، وإلى الوعي السياسي الشعبي الوطني والقومي العالي المستوى .
وفي عهد ” التجمع القومي البرلماني ” وقفت سوريا إلى جانب مصر إبان العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي عليها 1956 . وتوجت انجازاتها بإقامة الوحدة القومية مع مصر 22 شباط 1958 . وكانت العمق الحيوي لانتفاضة الجيش الأردني ضد قيادته البريطانية وفي مقدمتها ” الجنرال غلوب باشا ” 1957 ، ولثورة الشعب العراقي في 14 تموز 1958 ، التي أسقطت الملكية وأدواتها الرجعية العميلة ، وأسقطت حلف بغداد .
لقد قام عهد ” التجمع القومي البرلماني ” على أنقاض نظام ديكتاتوري . وبنى أعمدة مرحلة وطنية ديمقراطية بامتياز . وذلك ليس بالتعاون مع الأجنبي والارتهان لمخططاته ، وإنما بالصدام معه ، بالاعتماد على الجهود الوطني المشتركة .. حكومة وجيشاً وشعبا ً .
من أبرز شخصيات تلك المرحلة هم ( خالد العظم ، أكرم الحوراني ، صلاح الدين البيطار، خالد بكداش ، صبري العسلي ، اللواء عفيف البزري ، العميد أمين النفوري ن العقيد عدنان المالكي ، العقيد أحمد عبد الكريم ، عبد الوهاب حومد ، رشاد برمدا ) .

التحالف في زمن الوحدة مع مصر :

في زمن الجمهورية العربية المتحدة 1958 – 1961 ، التي قامت على شرط إلغاء الأحزاب اللاعقلاني في ” الإقليم الشمالي ” سوريا ، نشأ فراغ سياسي حزبي وتحالفي . ومحاولة عبد الناصر احتواء القوى الشعبية وتعويضها عن الحياة الحزبية ، بإقامة الاتحاد القومي ، قد فشلت في ملء هذا الفراغ . ” وما حدث من إجراءات التأميم للمصانع الكبيرة والمصارف ، والإصلاح الزراعي ، كشفت أيضاً خطأ ولاعقلانية مصادرة الحياة الحزبية واحتكارها من قبل السلطة ، فمثل هذه الإجراءات الكبيرة تحتاج إلى منظمات سياسية قادرة على قيادة الطبقات الشعبية لحمايتها .
والنتيجة المأساوية لأول تجربة وحدوية كانت ، أن حل التآمر بدلاً عن التحالف . واستطاع حفنة من الضباط ، إسقاط دولة الوحدة ، وتحويل المسار القومي في الوطن العربي ، لحقبة زمنية رديئة ، مازالت مستمرة ، من هزيمة إلى انحدار .. ومن ديكتاتورية إلى دمار .

التحاف في عهد الانفصال :

في 28 ايلول 1961 ، أقام المنقلبون على دولة الوحدة ، بدعم استعماري غربي وعربي رجعي ، تحالفاً ، غير معلن ، بين مجموعة أحزاب ، وتيارات ، مدعمة للانفصال ، ضم بشكل رئيس ، حزب الشعب ، وجماعة الأخوان المسلمين ، وبقايا الحزب الوطني ، والحزب الشيوعي ، وسياسيين مستقلين وضباط مهمشين ، وقطاعات واسعة من البرجوازية المتضررة من إجراءات التأميم ، والملاكين العقاريين المشمولين بالإصلاح الزراعي . وكافة المعادين للنهوض القومي العربي .
وقد استطاع هذا التحالف أن يكتسح أغلبية كبيرة في الانتخابات البرلمانية 1962 . إلاّ ان ما أقدمت عليه حكومة الانفصال من إلغاء لإجراءات التأميم والاصلاح الزراعي ، قد أدى إلى انفجارغضب شعبي عارم ضد الحكومة ، من أجل هدفين مترابطين ، الأول ، إعادة التأميم والاصلاح الزراعي ، والثاني ، إعادة الوحدة مع مصر .
وعلى خلفية هذا الغضب المتصاعد ، نشأت أحزاب ” ناصرية ” قومية . منها ، الاتحاد الاشتراكي ، الوحدويين الاشتراكيين ن القوميين العرب ، الجبهة العربية المتحدة . وعاد حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الحركة والظهور . وقام تحالف ( ناصري – بعثي ) لإسقاط عهد الانفصال ، وعودة الجمهورية العربية المتحدة . وذلك عبر صراع مكشوف ، مع أعداء النهوض القومي التحرري الاجتماعي ، من الدول الغربية الاستعمارية والرجعية العربية .
وقد تمكن هذا التحالف من تحقيق القسم الأول من أهدافه ، وهو إسقاط عهد الانفصال في 8 آذار 1963 . وبقي القسم الآخر من الأهداف ، برسم حسم الصراع على السلطة ، بين التيارين المتحالفين ، الناصري والبعثي .
ما ينبغي التوقف عنده في هذا التحالف ، هو أن هذا النموذج من التحالف القومي التصادمي ، مع الأجنبي والرجعي ، والحامل للمضمون الاجتماعي ، من خلال تبنيه للتحولات الاجتماعية التقدمية ، شكل تجربة تحمل دلالة هامة ، وهي ، أن التحالف الشعبي القومي التحرري الاجتماعي ، يستطيع أن يحقق أهدافه ، رغم عداء قوى دولية كبرى وعربية رجعية . وذلك من خلال حراك شعبي واسع مؤمن بقضيته العادلة .

الملاحظة الهامة حول التحالف المؤيد للانفصال ، أن معظم من شاركوا فيه من عسكريين ومدنيين ، هم أنفسهم ، صوتوا كنواب في البرلمان أو تحركوا في ميادينهم المدنية والعسكرية ، من أجل إقامة الوحدة مع مصر . والتبرير الذي طرحوه لانقلابهم على الوحدة بسبب تعديات المباحث العامة على الحريات السياسية ، لايتوافق مع خطورة ما قاموا به على الأمن الوطني والقومي ، بل إن ما طرح كان للتمويه على حقيقة رفضهم إجراءات التأميم والاصلاح الزراعي .
لقد ارتكبوا خطأ الانفصال باسم الحرية .. وهم الذين وافقوا على الوحدة مع مصر بشرط رئيس .. وهو حل الأحزاب .. وإلغاء الحياة الحزبية .. وذبحوا الحرية مسبقاً ..

*********

أما التحالفات ما بعد 8 آذار 1963 ، فهي أكثر تمايزاً ، في التعدد ، والتنوع ، والتحول ، والتصادم .

بدر الدين شنن | الحوار المتمدن

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك