عامُ الفيديو السوري

روجيه عوطة | جريدة المدن

تغير الفيديو السوري منذ بداية العام 2013 حتى الآن. هذا، في حال كان من الممكن أن نتحدث، من قبل، عن فيديو عام، تُسجل فيه أحداث البلاد على اختلافها. صحيح أن القتل هو نفسه، والدمار هو ذاته، والمجرم لا يزال، وآلاته العسكرية، فالتاً من ضرورة الحرية، ومحاولاً إيقاف ثورتها، إلا أن السوريين يعرفون أن صورتهم المتحركة، قد انتقلت من وضع إلى آخر، وأنها ما عادت تعبّر عنهم، كما لم تكن تفعل من قبل.

ذاك، أن الإعلام العربي والعالمي، قرر قص تلك الصورة، والإكتفاء بقسمها الضحوي، الذي لا يظهر فيها السوري سوى محطم، ومكسور ومظلوم، بالتالي، مجرد محتاج، لا حول له ولا قوة. يعرف السوريون أن الفيديو، الذي كانوا يلتقطونه بعدساتهم، يكاد، اليوم، يلتقطهم، فهم تُركوا وحدهم، والجميع يتفرج على دمهم. كما لو أن المُشاهَدة غير الثورية قد اعتقلتهم في شرائط ودقائق على يوتيوب، سرعان ما ينال المونتاج الإخباري منها، فيضاعف الإعتقال ويسد المنافذ البصرية أكثر.

لا أحد في مقدوره أن ينسى فيديوات مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، ولا أن يغض عينه أمام فيديوات قصف دمشق، وحمص، وإدلب، وباقي المدن والقرى، وصولاً إلى ضرب حلب بالبراميل. سيطر الحطام على الصورة المتحركة، بات هو المسرح، فالحرب، التي أعلنها النظام الأسدي على الثوار السوريين، لا تترك العناصر البصرية على حالها الماضية، بل تصيرها قاسية ً وحقيقة ً في الوقت عينه.

وصحيح، في هذا السياق، أن الفيديو السوري قد تغير، لكن، ذلك لا يعني أنه فقد مقوماته الرئيسية، أو بالأحرى أفعاله، كالتوثيق وتسجيل السقوط المتفرق للنظام، على الرغم من عنفه المستمر. فالعدسة، التي ترصد هذا الحدث أو ذاك، ما زالت تسعى إلى تقليص حضور السلطة، ومقاومتها، قبل الإنتهاء منها، ومنعها من اقتلاع العين وتهشيم الكاميرا. كأن السوريين يصورون كي يحموا عيونهم، وكأنهم يخلقون صورهم المتحركة كي لا تبقى جامدة. إذ أن العدسات هي أسلحة العيون، والفيديو هو سلاح المحاصَر في هذه المنطقة أو تلك، بحيث أنه يتيح له التحرك بصرياً، أو التقاط الحركة المكبوتة في ظل “البعث”.

هذا ما يدل عليه فيديو الإنقاذ واللقاء (بلدة حيان، ريف حلب، 31 ثانية)، الذي انتشر قبل أيام في مواقع التواصل الإجتماعي. فيه، يظهر أحد المواطنين يخرج طفلة ً، كانت قد علقت تحت الأنقاض، إثر قصف المبنى بالبراميل. تتحرك العدسة نحو الجهة الركامية، التي، منها، يطل المواطن، والطفلة بين ذراعيه. في هذه اللحظة، يُسمع أحد الأطفال، يوجه نداءً إلى أخته:”تعالي أختي هي أختي”، فيقترب منها، حاضناً إياها ومقبلاً خدها، قبل أن يرافقها بعيداً من الكاميرا حتى نهاية المشهد. وبين فِعلَي التقبيل والمرافقة، يبدو الطفل باكياً، غير أن دموعه جافة نتيجة غبار الحجارة الذي خلّفه القصف. عندها، ينقسم الفيديو إلى جزأين. الأول، يصور حمّى الإنقاذ، ومكانه الأنقاض. والثاني، حمّى اللقاء، ومكانه الدمار. أما الوجه فيفصل بينهما، ومن ثم يظهر في فيديو ثانٍ.

الأخير عبارة عن مقابلة مع إمرأة مسنة، تتحدث عن الحصار المضروب على جنوب دمشق. وخلال كلامها أمام الكاميرا، تسيل الدموع على وجهها الذي، خلافاً لوجه الطفل، لم يجففه الغبار، بل العمر، أو الزمن البعثي، إذ تقول: “بحياتي ما مر عليي هيك أيام صعبة!”. من هذه الناحية، لا بد من الإشارة إلى تسلسل الفيديوات السورية، وتقاطعها دلالياً، بحيث من الممكن قراءتها على أساس التناص البصري، خصوصاً أن هدفها ليس التسجيل والتوثيق فحسب، بل خلق البلاد بالبعيد من نظامها أيضاً.

وهذا، لا ينفي محاولات النظام فبركة فيديواته، أو بالأحرى أساطيره المرئية، التي لا يبغي من ورائها سوى الطغيان عليهم من جديد، بالإضافة إلى استخدام المتطرفين للفيديو كطريقة لتصوير عملياتهم العسكرية، والعنف الذي يرافقها. إذاً، هو عام جديد مرَّ على الفيديو السوري، الذي هو بمثابة ساحة معركة جديدة بين النظام والثورة. النظام يريد القضاء عليه. والثورة تريد مضاعفته، إلى حين لا تعود الطفلة تحت الأنقاض، ووجه أخيها جاف، وعيون المرأة السورية لا تتوقف عن ذرف الألم الذي تعرض الكاميرا كيف تُشعرنا به، حتى لو أشحنا النظر عنه.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك