السوق السوداء تحتكر الغاز السوري

مروان أبو خالد | جريدة المدن

يستهلّ السوريون عامهم الجديد بأمنية واحدة تتمثل بالقدرة على تحصيل حد الكفاف للعيش ليس أكثر، بعدما حولت حكومة الحرب، بسياساتها الفاسدة، حياة السوريين إلى سلسلة من الأزمات المعيشية التي لا تنتهي، كان آخرها أزمة الغاز التي عاودت الظهور مجدداً في دمشق وريفها، بعد انخفاض كميات اسطوانات الغاز في مراكز التوزيع الحكومية. ما دفع المواطنين إلى التوجه للسوق السوداء التي استجابت لحاجات الناس برفع سعر إسطوانة الغاز لأكثر من ضعف سعرها الرسمي. فقد بلغ سعر إسطوانة الغاز في السوق السوداء 2500 ليرة في أقل تقدير، على الرغم من أن سعرها الرسمي 1100 ليرة. وارتفع سعر تعبئة الغاز الصغير المنزلي إلى 1000 ليرة.
وبحسب التصريحات الحكومية، فإن نقص المعروض يعود لتوقف استجرار الغاز من مستودعات منطقة عدرا، نظراً لإشتعال العمليات العسكرية فيها، والنقص المؤقت الذي حصل من استجرار الغاز من وحدة جمرايا والذي تضاربت التصريحات حول أسبابه. فبينما أشار مدير المؤسسة العامة للخزن والتسويق إلى أن سبب ذلك يعود لخلاف حاصل بين وزارة النفط والشركة المستثمرة لوحدة غاز جمرايا، ما انعكس في خفض كميات الإنتاج، نفت وزارة النفط هذا الكلام مؤكدة أن أي خلاف سيحل بشكل ودي وأن الشركة كانت تجري أغراض الصيانة وعاودت من جديد لإنتاجها الطبيعي. وبالطبع فإن هذا التضارب في التصريحات اعتاد عليه السوريون من حكومة تفتقد لأدنى مقومات التخطيط والتنسيق المؤسساتي، وقد يكون الهدف من هذا التضارب هو تشويش المواطنين عبر أسباب وهمية لتغييب السبب الرئيسي الذي يقف وراء الأزمة. كذلك رأى بعض الحريصين على تلميع صورة الحكومة أن سبب الأزمة هو الإستجرار الزائد من قبل المواطنين، نظراً لاعتمادهم على الغاز للتدفئة.
المستغرب في هذه التصريحات يتمثل بردّ الأزمة إلى نقص في المعروض، فلو كان هناك نقص أو توقف في إمداد بعض وحدات الإنتاج يستدعي حقاً حصول أزمة، فمن أين تأتي الإسطوانات التي تباع في السوق السوداء؟ بمعنى آخر لو كانت هناك معطيات ملموسة تفرض بشكل حتمي حصول أزمة في المعروض من الإسطوانات، لإنطبق ذلك على السوق النظامية والسوداء على حد سواء. وهذا ما يعيد الجواب إلى الحلقة الأولى المعروفة، أي ان المسؤولين عن نقص مادة الغاز في المراكز الحكومية هم أنفسهم من يؤمنونه للسوق السوداء التي يفضّل تسميتها سوق الفساد الحكومي. علماً أن الاسطوانات المباعة في السوق السوداء مغشوشة وغير مختومة رسمياً. إذ يلاحظ المستهلكون أن إسطوانة الغاز التي من المفترض أن تخدم قرابة الشهر، ولكن تلك المباعة لهم في السوق السوداء لا تكفي عملياً لأكثر من عشرة أيام أو أسبوعين على الأكثر. وتتنوع أساليب الغش، حيث يجري تفريغ كميات بسيطة من مجموعة اسطوانات لإستخدامها في تعبئة الاسطوانات الصغيرة، أو تفريغ كميات كبيرة من الإسطوانة وتعبئتها بالماء، حتى لا يشعر المواطن عند الشراء بفرق في الوزن. هذا فضلاً عن الكثير من أساليب الاحتيال المبتكرة. إلى ذلك، يبدو عزو الأزمة إلى استخدام الغاز للتدفئة غير مقنع. ذاك انه إذا كان السوريون عاجزين عن تأمين نفقات التدفئة الأرخص من الغاز، فكيف يمكنهم تحمل تكاليف التدفئة على الغاز المرتفعة، لاسيما أن ارتفاع أسعار مدافئ الغاز إلى ما بين 15-25 ألف ليرة، حرمت السوريين من مجرد التفكير في اقتنائها.
ويرى الكثير من السوريين ان الأزمة الحالية مقدمة لفرض زيادة جديدة على سعر إسطوانة الغاز، وعلى الرغم من نفي وزارة النفط لنيتها رفع الأسعار في الفترة المقبلة، إلا أن التجربة معها غير مشجعة، فالزيادات السابقة كانت تسبقها أزمات في العرض بمراكز التوزيع الحكومية، يعقبها ارتفاع جنوني في أسعار الغاز بالسوق السوداء، ومن ثم إنتشار شائعات حول رفع السعر الرسمي يصاحبه نفي حكومي، وخلال ذلك يتم إخضاع المواطنين لأسعار السوق السوداء الجنونية، لتعلن الحكومة فجأة بعدها أنها رفعت السعر الرسمي، ولكن بنسبة أقل من السوق السوداء، فتوهم المستهلكين بأنها حريصة كل الحرص على توفير الغاز لهم وبأفضل الأسعار!
الجدير بالذكر أن سعر الإسطوانة المنزلية سعة 10 كيلوغرامات قد ارتفع من 250 ليرة العام 2011، إلى 500 ليرة العام 2012، وصولاً إلى 1100 ليرة في أيار 2013، أي بإرتفاعي تراكمي بلغ حوالي الـ340%. بالتالي ليس مستبعداً حصول زيادة أخرى خلال العام 2014، خصوصاً في ظل استمرار الحرب التي أشعلها النظام في البلاد، وحاجة الحكومة لإيرادات متزايدة لتغطية خسائرها الاقتصادية ونفقات الحرب المتّسعة.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك