عن العلمانية السورية القاصرة
324cb923-3e7a-4e8b-a7fa-ec936404cfd0

قبل أيام، تداول عددٌ من الناشطين، عبر «فيسبوك»، خبراً مفاده أنّ النائبة في البرلمان السوريّ فرح حمشو، كانت قد طالبت بفصل الذكور عن الإناث في المدارس خلال حصص التربية الدينية. اشتغل الموقع الأزرقُ هجوماً واستنكاراً. تلقّت حمشو شتائم كثيرةً بسبب «مُقترحها» الّذي يُحاكي، إلى حدٍّ ما، فكر وثقافة أعداءِ «الدولة السورية» من الإسلاميين المُنتمين إلى الحركات الأصولية.
بُعيد ساعاتٍ قليلة، انتشر تسريبٌ نفت من خلاله النائبة السورية كلّ ما نُشر على المواقع الافتراضية، وقالت إنّها لم تقدّم مقترحاً من هذا الطراز، وكلّ ما فعلته أنّها تصدّت لصوتٍ يُطالب بحذفِ مُقرّر التربية الدينية من المدارس، واستبداله بمادة التربية الأخلاقية، وبرّرت حمشو وجهة نظرها بحرصها على تغذية التلاميذِ بفكرٍ دينيّ وسطيّ ومضبوط بدلاً من جعلهم يبحثون عن المعلومةِ في بيئاتٍ غيرِ صحيّة.
اللافتُ في نسبةٍ واسعةٍ ممّا كُتب، أنّ التعليقات والمنشوراتِ «استغربت» الطّرح الّذي نُسبَ إلى النائبة السورية وكأنّه دخيلٌ على بنية المجتمع السوريّ وقادمٌ من عوالمَ كونيةٍ موازية. المُهاجمون ذاتهم لم يستكينوا لتوضيح حمشو، وسجّلوا موقفاً سلبياً من إصرارها على حضورِ التربية الدينية في المناهجِ السورية.
إن إجراء قراءةٍ للحدث وارتداداته، يتطلّب التركيزَ على نقطتين رئيستين.
أولاً: فرح حمشو نائبةٌ في مجلسٍ انتخبه الشعب، وهي تمثّل انعكاساً فكرياً وعقائدياً لناخبيها.
في البداية لا بدّ أن نُشير إلى أنّنا نتحدّث عن النائبة السورية باعتبارها تمثّل طيفاً مجتمعيّاً وصنفاً فكرياً، وأنّ كلّ ما كُتب وسيكتبُ في هذا المقال يوصّف حالَ جمعٍ من زاوية فردٍ بعيداً عن كلّ مفردات الشخصنة.
«الانتفاضةُ الافتراضية» أثبتت، مجدداً، قلّة معرفة عددٍ من أصحابها بمُشكلات المجتمع السوريّ ومكوّناته. فرح حمشو لم تُصنَع خارج حدودِ البلاد، ولم تخترقِ «النّسيجَ السوريّ» خلالَ فوضى الحرب. السّيدة سوريةٌ جداً، وتنتمي إلى واحدةٍ من الأسر النافذة في دمشق، وكلّ ما تُصدّره من مواقف ذاتِ هوىً إسلاميّ هو حاصلُ ثقافةٍ سُمح بتمدّدها، قبل آذار 2010، بموجبِ غطاءٍ سياسيّ أهملَ العلماءَ وتجاهل المُخترعين وتعامى عن نشاطِ المثقفين لجهةِ الاحتفاءِ بصنفٍ معيّن من الحالة الدعوية، والحديث هنا عن الإسلام الشاميّ (الوسطيّ) الّذي اتخذّ من الشيخ الراحل محمد سعيد رمضان البوطي واجهةً له.
واضحٌ أنّ الّذين صُدموا بالإشاعة ونفيها على حدٍّ سواء، لا يعرفونَ عن القبيسيّات الشاميّة، التي تغلغلت في بنية المجتمع الدمشقيّ، أكثر من جملةِ عناوينَ عريضةٍ تعوزها التفاصيل.
واضحٌ أيضاً أنّهم لم يلتفتوا إلى الحملةِ الممنهجة (جداً) التي اشتغلت على الحدّ من تقديمِ الكحوليّات في مطاعمِ الجزء الغربيّ من دمشق خلال العقدِ الأوّل من الألفية. واضحٌ، أيضاً، أنّ المُنتقدين لم يتفطّنوا يوماً إلى كتبِ التاريخ المُعتمدة في المناهجِ السورية، ولم يكترثوا قبلاً بالحقنِ الإسلاميّ المدوّن فيها، وبتجاهلها لكلّ مفردات الحضارة السورية قبل الإسلام، وكأنّ هذه البلادَ أطلّت على النّور قبل 1400 عامٍ فقط.
يبدو أنّ «المُنتفضين فيسبوكياً» لم يُدركوا، تماماً، معنى البند الثاني من المادة الثالثة لدستور الجمهورية العربية السورية، والّذي يسمّي، من دونَ مواربةٍ أو تدويرٍ للمفردات، الفقهَ الإسلاميّ مصدراً رئيساً للتشريع. وبعبارةٍ أبسط: يبدو منتقدو طرح النائبة فرح حمشو أشبه بمن شربَ بحرَ الأسلمة ثمّ غصّ بساقيته. أين كنتم حين اغتيلت العلمنةُ السوريّة في وضح النهار؟
ثانياً: الإسلاميّون المُنظّمون «يقتاتونَ» على شتاتِ العلمانيين.
كلّ ما قيلَ قبلاً عن تمدّد الإسلاميين في البلاد لم يأتِ من فراغ. اشتغل هؤلاء طيلة العقودِ الثلاثة الماضية بتنظيمٍ شديد سمح لهم باكتسابِ حضورٍ وازنٍ على مستوى مفاصل حسّاسة في الدولة الّتي اعتقدت أنّ «دعم» رجال الدّين وتمتين علاقتها بهم سوف يساعدها على ضبطِ الشّارع متى ثار. الحال الّذي وصلت إليه سوريا اليوم يفضح فشل رهانِ الدولة.
في ظلّ هذا التمدّد الإسلاميّ المُنظّم للغاية، ماذا فعل العلمانيون؟ تقريباً لا شيء.
لم يؤسّس العلمانيون في سوريا حزباً فاعلاً، ولم يشتغلوا ضمنَ منظّمةٍ أو جمعيّة أو حتّى تكتّل سياسيّ قادرٍ على تحصيلِ بعضِ «المكتسباتِ الفكرية».
قبل الحرب، جهدت الدولة السورية لمنع تشكّل مثل هذه التيّارات. السّلطة لا ترغبُ بمنحِ «الليبراليين» حريّة يجري صرفها على شكلِ تمرّداتٍ لا يُشبعها الفُتات. السّجون غصّت بمعتقلي الرّأي. مُثقّفون كُثر تمّ نفيهم إلى ما وراء الحدود. في المحصّلة، لم ترغب الحكومة بعلمنةٍ مُزعجة، وكان لا بدّ لها من خياطةِ هويّة وطنية أُريد لها أن ترضي الأطراف كلّها، فقيل «إنّ سوريا دولةٌ علمانيةٌ ذات هوىً إسلامي». لا شيء أقربُ إلى الهذيانِ السياسي من الجملة السابقة.
تصلّب الدولة لا يغفر لمُعظمِ العلمانيين كسلهم واستكانتهم إلى «نضالٍ فرديّ» لم ولن يُحرّك شيئاً من المياه الراكدة. حين طُرحت مسوّدة الدستور للتصويت، كان حريّاً بالعلمانيين أن يحرّضوا شارعاً واسعاً يصوّت بـ «لا» لا رجعة فيها على نصّ يشترط في رئيس الجمهورية أن يكون مُسلماً، وكان عليهم أن يقفوا حجر عثرةٍ في وجهِ كلّ تلميحٍ أو تصريحٍ دستوريّ يربط البلاد بهوية إسلامية، لكنّ هذا لم يحصل.
على ضوءِ ما سبق يحقّ لنا أن نسأل «ما هو الحجم الفعليّ للتيّار العلماني في الشارع السوري؟».
الانقلاباتُ السياسية قد تحدثُ بين ليلةٍ وضحاها، لكنّ التبدّلات المجتمعيّة لا يُمكن أن تتحقّق إلّا من خلالِ شغلٍ منظّمٍ طويلِ الأمد. تقول النظرية الماركسية الحديثة «إنّ التراكمَ الكميّ يؤدّي إلى تحوّل نوعيٍّ بالضرورة». هذا السطر يجب أن يكونَ دستورَ العلمانيين وعقيدتهم إذا أرادوا أن ينهضوا بسوريّتهم من قاعِ القوانين الرّجعية الّذي دُفنت فيه.
السخرية من النائبة السورية، والتعرّض لها قدحاً وذماً لا يُغيّر من حقيقةِ صوتها الحاضر تحت قبّة البرلمان شيئاً، ولا ينتقصُ من كونها تمثّل شريحةً مجتمعيةً وسّعها الإسلاميون بتنظيمٍ افتقر إليه الخصوم. الانتصارُ «فكرياً» على نموذج السّيدة فرح حمشو يتطلّب شغلاً موازياً ذا أهدافٍ وأدواتٍ واضحة. الشتيمةُ لا تُنتج وطناً أفضل.

 

رامي كوسى – السفير اللبنانية

وسوم :

التعليقات مغلقة.

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة Mouvement de la société لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك

  • p01-02-25618-640_709634_large
  • 2cee7cf3-8a01-44b2-b0b4-d1e48b6c4d88
  • 10888460_684735914980254_353340294185370968_n
  • 58b6dc01c36188ba5f8b46b5
  • 57cade14c36188ce768b45ce
  • schoolgirls 'now married to Isis men capture f24
  • 56b1b1f8c461880b1a8b45a5
  • image