“الباص الأخضر” في داريا .. ما هي وجهته المقبلة؟

الباص الأخضر مرة أخرى إلى الواجهة عنوان لـ”مصالحة” جديدة، وهذه المرة في داريا التي ستشكل إعادتها إلى كنف الدولة السورية نقطة تحول مهمة في الحرب السوية وتحديدا في تحصين العاصمة دمشق.

داريا، المدينة الأكبر في الغوطة الغربية، باتت خارج الحسابات العسكرية، إثر إتمام المرحلتين الأولى والثانية من بنود الاتفاق الأخير القاضي بإخلاء المسلحين للمدينة.
في اليوم الأول ، خرجت 10 حافلات تضم 500 بين مسلحين ومدنيين، واليوم 27 آب – أغسطس/2016 تستكمل المرحلة الثانية من الإتفاق بخروج 1000 من المدنيين والعسكريين من أصل 4000 وهو العدد الكلي للمسلحين والمدنيين في المدينة ، بينهم ألف مقاتل طلب 300 منهم تسوية أوضاعهم والبقاء في ريف دمشق ( الحرجلة ) بينما سيتجه 700 منهم إلى إدلب، التي تحولت منذ سيطرة “النصرة” عليها إلى مركز التجميع المعتمد للمسلحين الخارجين بموجب تسويات مع الجيش والدولة السوريين .

 

يومان بعد ويُقفل ملف إحدى أعقد جبهات القتال الملاصقة للعاصمة السورية،حيث تمثل استعادتها انتصاراً لمنطق الدولة ، وهو ما انعكس ارتياحاً لدى المدنيين في العاصمة كون المدينة مثلت طيلة السنوات الماضية مصدراً رئيساً لإطلاق الصواريخ والقذائف التي ذهب ضحيتها المئات.

وجاءت التسوية لتكلل عملية عسكرية طويلة ومعقدة استمرت لأربع سنوات، وكانت خلالها المدينة أولى وأخطر البؤر المشتعلة منذ منتصف 2012 ، على خاصرة دمشق وبمحاذاة مطارها العسكري، والتي سيكون من نتائجها قطع خطوط إمداد المسلحين نحو الحدود الأردنية وعزل العاصمة دمشق وتحصينها بوجه مسلحي درعا والقنيطرة.

الجيش السوري أبرم الاتفاق السوري – السوري من ألفه إلى يائه من دون وساطات مع سبع فصائل في داريا وعلى رأسها “شهداء الإسلام” و”جيش الإسلام” و”أحرار الشام” ومجموعة من الفصائل الصغيرة الأخرى، واللافت أن هذه الفصائل هي التي أبدت استعدادها لعقد الاتفاق وتحديداً مع “الفرقة الرابعة” في الجيش السوري.

وعبر أكثر من ثلاث سنوات، منذ منتصف 2013، كان الجيش يعرض على مسلحي داريا إلقاء السلاح والانضمام إلى جملة المصالحات والتسويات التي تم إنجازها في برزة والقابون وغيرهما، وبشروط أفضل مما حصلوا عليه اليوم، إذ احتفظ المسلحون في المناطق المذكورة بأسلحتهم وأمسكوا بمهمة السيطرة على مدنهم وحمايتها بالاشتراك مع وحدات الجيش التي تحتفظ بالسيطرة على مداخل المدن.

لكن وعود الإنقاذ التي أُغدقت على مسلحي داريا بقرب فك الطوق عنهم من قبل مسلحي الجبهة الجنوبية وكذلك من فصائل الغوطة الشرقية ورعاة هذه المجموعات الإقليميين كانت تقف في كل مرة أمام قبولهم بعقد الاتفاق مع الجيش السوري، حتى تبين لهم في النهاية كذب هذه الوعود، أو على الأقل عدم قدرة مطلقيها على تنفيذها. وكان من أسباب تسريع الاتفاق هذه المرة أن بدأت قوات الجيش السوري بشن عملية عسكرية للضغط على داريا خلال الأسبوع الماضي، وأمهلت مسلحي المدينة 24 ساعة لإخلائها قبل شن عملية عسكرية واسعة، وهو ما انتهى بقبول المسلحين بتوقيع الاتفاق.

ما حصل في داريا فتح الباب أمام المزيد من الاتفاقات والمصالحات، إذ تبدو البلدات المحيطة بدمشق هي الأكثر استعداداً للذهاب إلى مثل هذه التسويات.

مناصرو الفصائل المسلحة أنفسهم توقعوا في اليومين الماضيين، أن تكون مدينة دوما، المعقل الرئيسي لـ”جيش الإسلام” في الغوطة الشرقية، أول السائرين على خطى داريا. فالتقدّم الذي يحققه الجيش أمام مسلحي “جيش الإسلام”، وتراجعهم المستمر في الغوطة الشرقية، والخلافات القائمة بين “جيش الإسلام” والفصائل الأخرى، والاتهامات المتبادلة بين الطرفين لجهة “من يريد إسقاط الغوطة؟”؛ كلها مؤشرات إلى مثل هذا الخيار. وقد غرّد عددٌ من الناشطين، على شبكة “تويتر” أن مسلحي “جيش الإسلام” تعبوا من القتال، وخسائرهم المتتالية والسريعة تشير إلى أن نيتهم هي الدخول في مصالحة مع “النظام”، واعتزال القتال، وتحقيق نوعٍ من “الحماية الذاتية” كما هو الحال في برزة شمال العاصمة.
المعضمية، جارة داريا هي الأخرى مكان مرتقب للتسوية المقبلة ،لا بل أن التقارير تشير إلى توجيه مسلحي المدينة نداءً لشمولهم باتفاق شبيه باتفاق داريا، ذلك أن المدينة باتت بحكم الساقطة عسكرياً، ومفصولة عن محيطها، وهو الأمر الذي يدفع مسلحيها اليوم بالإعلان عن رغبتهم بإبرام صفقة مع الجيش السوري.

ومن المفيد الإشارة إلى أنه وخلال مسيرة التسويات والمصالحات التي شهدتها سوريا خلال أزمتها المستمرة منذ خمس سنوات ونصف، برز نموذجان من التسويات تم اعتمادهما حتى الآن: نموذج حمص القديمة والذي ينص على إخراج المسلحين إلى مكان آخر يتم الاتفاق عليه ونقل المدنيين إلى مراكز إيواء حكومية، إلا من يرغب بمرافقة المسلحين، ونموذج برزة الذي يقوم على بقاء المسلحين في مناطقهم مع احتفاظهم بأسلحتهم والإشراف على استتباب الأمن فيها، وعلى حسن سير الاتفاق مع الجيش السوري.

ويبدو العامل الخارجي هو المحدّد في اعتماد أي من هذين النموذجين، حيث لوحظ أن الفصائل المحلية التي يغيب عنها العنصر الأجنبي أو يضعف يمكن أن تدخل في تسويات سورية – سورية تحت تأثير البيئة المحلية كالوجهاء ورجال الدين ، فيما يفشل هذا النموذج عندما تكون الغلبة للعنصر الأجنبي كما هو الحال في الإتفاق الذي أُعلن عن التوصل إليه أكثر من مرة في مخيم اليرموك والحجر الأسود جنوب دمشق ، والذي فشل بسبب تعنت الفصائل الإرهابية ( داعش والنصرة وبعض التنظيمات المتشددة الأخرى) لارتباطها بأجندات إقليمية وبشكل رئيسي سعودية وقطرية وتركية ، تحاول استثمارهم حتى آخر نفس في معركتها ضد الدولة والجيش السوريين.

علي حسون

وسوم :

التعليقات مغلقة.

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك