محنة البهائيين في الشرق الأوسط

سعد سلوم

 

تختصر محنة البهائيين في “اليمن” رحلة الدين البهائي في عموم الشرق الاوسط، ويرسم الاضطهاد المنهجي الذي تعرضوا له خلال فترة تزيد على قرن من الزمن، حدود حرية الدين والمعتقد في دائرة ضيقة وحصرية، في بلدان تواجه معضلة ادارة التنوع على صعيد الدولة وتقبّل الاختلاف الديني على صعيد المجتمع، وعلى نحو يهدد بفقدان رأس مال حضاري من التنوع الديني والإثني واللغوي.

 

فقد تعرضوا الى اضطهاد منهجي في عدد من الدول العربية والاسلامية في فترات مختلفة، وفي ايران الثورة الاسلامية منذ نهاية سبعينات القرن الماضي وحتى الوقت الراهن، وفي العراق البعثي في سبعينات القرن الماضي، وفي مصر عبد الناصر في تواريخ مختلفة منذ ستينات القرن الماضي.

نتيجة لذلك، حرم البهائي من ممارسة قناعاته الدينية علناً او اشهار هويته الدينية والاعتراف بها رسميا، وكما اخبرني احد البهائيين اللبنانين ساخرا ذات مرة “البهائيون ليس لهم سوى حق الموت، اذ يحق لهم ان يدفنوا موتاهم في مقابر بهائية”. وفي حين لا يتاح لهم أن يعيشوا قناعاتهم كبهائيين أثناء حياتهم استبعد البهائيون من المجال العام، و اصبحت المنازل هي المجال الخاص لممارسة صلواتهم وشعائرهم، وليس هذا سوى سجن جماعي لأقلية دينية سواء اتخذت الدولة قرارا رسميا بحظر الديانة أو لم تتخذ.

ويبدو ان هذا هو الوضع التقليدي الذي وجد البهائيون في مصر انفسهم في ظله منذ صدور القانون رقم 263 لسنة 1962 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وأصبح علامة طبعت الوجود البهائي في العراق طيلة فترة حظر ديانتهم في العراق منذ صدور القانون رقم 105 لسنة 1970 في عهد الرئيس أحمد حسن البكر وحتى زمن الإطاحة بحكم نظام البعث العراقي بفعل التدخل الاميركي في عهد الرئيس صدام حسين 2003، وبالمثل طلب رجال الأمن في اليمن بعدم ممارسة البهائيين لمعتقدهم علنا، والاكتفاء بممارسته داخل المنازل في عام 2016 بعد موجة الاعتقالات الجماعية لهم.

وتصل بنا نظرة واحدة على دساتير المنطقة ومؤسساتها الى نتيجة واحدة، هي : عدم وجود اعتراف رسمي بالبهائية في اية دولة عربية او اسلامية عدا اقليم كردستان العراق، اذ يوجد ممثل رسمي للبهائية في وزارة الاوقاف والشؤون الدينية التابعة لحكومة الاقليم، وتم ذكرهم في قانون حقوق المكونات في اقليم كردستان رقم 5 لسنة 2015 ضمن الطوائف الدينية المعترف بها رسميا.

كما كان موقف المؤسسات الدينية الاسلامية سلبيا منهم، فتعرضوا للتكفير وتنفيذ حكم الردّة في أكثر من مكان وزمن؛ ومن أكثر من مؤسسة دينية رسمية في دول مركز اسلامية مهمة مثل مصر والسعودية، فمؤسسة الأزهر التي من المفترض ان تمثل مرجعية الاعتدال الاسلامية عدت البهائية فرقة مرتدّة عن الإسلام، وصدرت فتوى مماثلة من المؤسسات الدينية الرسمية في دول أخرى أكثر تشددا مثل السعودية، إلّا أن المؤسسة الدينية في اليمن لم تقطع بعد في هذا الشأن، وكذلك ليس هناك موقف رسمي من المؤسسة الاسلامية بشقيها السني والشيعي في العراق.

 

 

وكالمعتاد، تعمل وسائل الاعلام –في حالة البهائيين- بوصفها مغذيات للتمييز على أساس ديني بنشرها العديد من المغالطات بهدف تشويه سمعة البهائيين دون تحر او تأكد من مصدر المعلومة او تنشر معلومات مضللة على نحو مقصود في عملية تشويه منهجية تقف وراءها جهات سياسية ومؤسسات دينية متشددة تهدف الى تأليب الرأي العام واشغاله عن قضاياها المصيرية باختيار كبش فداء ملائم، فتدخل عملية التشويه ضمن ستراتيجية الإلهاء والإشغال التي مورست بكفاءة عالية من قبل الانظمة السياسية في المنطقة طوال عقود ما بعد الاستقلال عن الاستعمار، وصولا الى ثورات الربيع العربي التي أطاحت بأكثر من نظام سياسي تقليدي في المنطقة، من تونس مرورا بمصر وانتهاء باليمن.

ولأن مبادئ الدين البهائي تؤكد على قيم السلام العالمي ونبذ العنف والتطرف، لا يمكن تخيل استعانة البهائيين بسلاح ميليشاوي او الحصول على دعم دولة اقليمية ضامنة تشاركهم المذهب او الدين او الهوى. وسرعان ما تشعر السلطات بعد القبض عليهم انها قد خالفت فحسب، ضمانات حرية الدين والمعتقد في دساتيرها والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها حكوماتها والتزمت بها، لذا، فإنها تسعى الى اجبار أفراد هذه الاقلية الدينية على التخلي عن معتقدهم الديني كرها او طوعا، ودون ان تخشى عقابا من قبل المؤسسات الدولية منزوعة الاسنان مثل الامم المتحدة.

ومن الطرائق التقليدية التي تتبعها الانظمة السياسية في المنطقة مطالبة البهائيين بتوقيع تعهدات بالتخلي عن معتقدهم الديني كشرط للإفراج عنهم، حدث مثل هذا المثال في العراق في سبعينات القرن الماضي، وفي مصر في تواريخ مختلفة منذ ستينات القرن الماضي، ويحصل هذه الايام في اليمن.

لكن حالة البهائيين في اليمن تجاوزت في تطرفها بقية الحالات المقارنة وصولا الى تعرض البهائيين للتعذيب، وهو ما لم تصل اليه حالة البهائيين في مصر اثناء الاعتقالات الدراماتيكية التي تعرضوا لها في فترات مختلفة، ولا في حالتهم في العراق، اذ يذكر البهائيون شهادات ايجابية عن فترات احتجازهم في سنوات سبعينات القرن الماضي، وقد سمعت من البهائيين المصريين شهادات اخرى ايجابية مماثلة.

وشهدت الاعوام الاخيرة تحولات سياسية واجتماعية في المنطقة، يسرت هامشا لمطالبات بالاعتراف من قبل اتباع الاديان غير المعترف بها رسميا، او على الاقل مشاركتهم في النشاطات العامة، وحضورهم الرمزي والفعلي في المجال العام. ولكن سرعان ما كانت هذه الفسحة تضيق، وينحسر هامش الحريات الدينية لتعود دائرة حرية الدين والمعتقد الى ضيقها السائد وحصريتها المعهودة.

 

 

ففي العراق ، بعد التغيير على يد الاميركيين وحلفائهم واسقاط نظام صدام حسين 2003 ، وجد البهائيون انفسهم أمام وضع جديد، فيه من الوعد والأمل ما يغري بالاعلان عن هويتهم والمطالبة بالاعتراف بهم بعد عقود من التغييب المنهجي والقسري. الا ان صعود احزاب الاسلام السياسي الى السلطة هدد عملية التحول الديمقراطي في بلاد ما تزال تواجه أزمة هوية مستعصية.

وفي مصر أتاح الربيع القصير للثورة 2011 للبهائيين، ان يظهروا على سطح الاحداث ويشاركوا مواطنيهم في النقاش العام حول هوية البلاد ومستقبلها، فوجه البهائيون في ابريل-نيسان 2001 “رسالة مفتوحة إلى كلّ المصريّين” تضمنت رؤيتهم حول التحولات التي شهدتها البلاد، والدعوة لتحقيق اجماع واسع في الرأي حول المبادئ والسياسات لصياغة أنموذج جديد للمجتمع.

كما تلقوا دعوة رسمية لوفد يمثلهم لحضور جلسة بلجنة الخمسين في مجلس الشورى وذلك للاستماع إلى مطالبهم في الدستور الجديد لمصر والذي عكفت على صياغته لجنة الخمسين برئاسة السيد عمرو موسى، وهي خطوة وصفها “جرجس بشري” في موقع “الاقباط متحدون” بكونها تعد الخطوة الأولى من نوعها في التاريخ المعاصر بعد الثورة التي انطلقت بمصر في 30 حزيران 2013 لمناهضة حكم الاخوان والتي لقيت دعما من القوات المسلحة المصرية.

وفي الحالة المصرية ومع صعود نجم الاخوان المسلمين السياسي، كما في الحالة العراقية بصعود نجم احزاب الاسلام السياسي، عاد البهائيون الى حالة الحذر والترقب، كما جعل خروج الاخوان من السلطة والعودة الى قواعد الحكم العسكري التقليدي البهائيين على ما يبدو يعودون الى الظل الذي يؤمن لهم حماية نسبية.

أما في اليمن، فقد وفرت الثورة للبهائيين فرصة مماثلة للاعلان عن وجودهم وممارسة أنشطتهم، وشهد عام 2015 تصاعد انشطتهم والإعلان عن تواجدهم بشكل رسمي، بعد أن كانوا يعملون تحت الظل طوال عقود طويلة.

فقد أعلنت الطائفة البهائية في صنعاء، عن نفسها، للمرة الأولى في اليمن رسميا، من خلال دعوة وجهتها لمثقفين وأكاديميين وحقوقيين وناشطين مدنيين في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، وكانت الدعوة رسالة ايجابية سرعان ما اعقبتها انتكاسة مريعة من خلال عمليات الاعتقال الجماعية.

وعلى الرغم من عدم وجود اكليروس في الديانة البهائية ولا يوجد شخص يحمل صفة مرجع روحي او قائد لهذه الجماعة التي تقوم على ادارة المؤسسات البهائية للمجتمع البهائي، الا ان توجيه التهم يحتاج احيانا الى رأس او شخص، فقد كان من الصعب على المجتمعات التي يعيش فيها البهائيون فهم الطبيعة المؤسسية لهذا الدين المعاصر، وبالتالي الصقت في اليمن تهمة القيادة او الزعامة البهائية بالشخصية البهائية “حامد بن حيدرة”، و من الواضح ان الهدف من تلفيق هذه التهمة، تشويه شخصية الرجل وسمعة الديانة والجماعة الدينية التي ينتمي اليها.

وقد تعرض الفنان التشكيلي المصري الراحل “حسين بيكار” لنفس التهم بوصفه زعيم البهائيين في مصر سابقا، وحاليا وصفت الدكتورة “باسمة موسى” الاستاذة في كلية الطب في القاهرة بالوصف نفسه، فقد كانت كل شخصية تسلط عليها الاضواء ينظر اليها كهدف سهل من خلال تصويرها كقائد او زعيم لجماعة اسيء فهمها بسبب تراث طويل من التشويه المنهجي، وفي العراق ايضا كان ينظر للضابط الحقوقي في الجيش العراقي المرحوم “منير الوكيل” كزعيم للطائفة، وكانت للرئيس العراقي “احمد حسن البكر” في نهاية ستينات القرن الماضي شكوكه المماثلة لزعامة الوكيل للبهائيين، على الرغم من ان الاخير كان قد بلغ سن التقاعد وترك الجيش منذ اعوام طويلة.

وليس غريبا ان العديد من شباب وشابات الاجيال الجديدة لم يسمع بالبهائية ولم يصادف اتباعها في خضم الحياة اليومية. وتقتصر صدفة التعرف عليهم من حدوث دورة اضطهاد جديدة، ليعود السؤال عنهم مقترنا بحملات تشويه منظمة واتهامات مفبركة وسخيفة.

 

 

لذا، ارتبطت بتاريخ الوجود البهائي في الشرق الاوسط، ظاهرتان مترابطتان : الاولى تتعلق بممارسة اتباع الدين لمعتقداتهم، والثانية تتعلق بموقف السلطات الرسمية منهم.

فالبهائيون الذين يمارسون معتقداتهم الدينية في منازلهم تحولوا عبر الزمن الى وضع طائفة دينية تعيش في الظل. ولا يعني ذلك عدم انخراط البهائيين في النشاطات العامة وخدمة المجتمع، وهو ما يكرس له البهائيون انفسهم ووقتهم وتتمحور حوله حياتهم الروحية، بل معنى ذلك، ان مستويات الاعتراف بهم على صعيد رسمي او على صعيد المؤسسة الدينية او على صعيد شعبي يتعرض للمد والجزر، وسرعان ما يفضل البهائيون العمل بهدوء ودون مطالب علنية قد تجذب الانتباه الى وجودهم، بما قد يعرضهم لموجة اضطهادات جديدة.

ولهذا، لم تتحول الدعوة البهائية الى حالة من الاشهار والعلنية طوال تاريخها القصير في الشرق الاوسط، ففي العراق ومصر واليمن ولبنان و تونس بلدان أخرى، لم تتحول البهائية الى حالة من العلنية والاشهار الا في حالات تشويه سمعتها كدين و تحريف مقاصد اتباعها، فيضطر البهائيون حينئذ الى الدفاع عن انفسهم وتوجيه الرسائل التوضيحية او كتابة دراسات ترد على الاتهامات او يشكلون الوفود لغرض متابعة ما يحاك ضدهم من خطط ومقابلة المسؤولين الرسميين لتوضيح كل ما هو غامض بصددهم، فالناس اعداء ما جهلوا.

والظاهرة الثانية، تتمثل بتحول البهائيين الى كبش فداء سهل لاي نظام سلطوي او قوة سياسية تحاول من خلال اضطهادهم ارسال رسالة رعب لغيرهم من الجماعات من جهة، وحرف الانتباه عن مشاكل سياسية او اجتماعية تواجه السلطات من جهة ثانية.

وبالفعل، حرفت الحملات التشويهية التي تعرضوا لها الانتباه عن مشاكل اعمق تواجه مجتمعات الشرق الاوسط خلال فترة الصراع العربي الاسرائيلي المحتدمة طوال عقود، واليوم تتحقق النتيجة نفسها في ظل الصراع الطائفي الذي يمزق الشرق الاوسط والصدام الايراني- السعودي في اكثر من جبهة على ارض العراق وسوريا واليمن.

 

 

في اليمن

لم تبرز بعض الأقليات الدينية التاريخية في التاريخ اليمني بفعل الهجرة او النزوح، بل كان وجودها أصيلا، مثل يهود اليمن الذين يعدّون من اقدم الجماعات الدينية في المنطقة، وقد هاجر مَن تبقى منهم في السنوات الاخيرة خارج البلاد، مختتماً تاريخاً دينياً ألفياَ.

ويضفي التنوع المذهبي داخل الاسلام طابعا حيويا على البلاد، فالهوية الاسلامية لغالبية سكان البلاد، تتوزع على المذهبين الشافعي والزيدي (المذهبان الرئيسيان)، ويوجد انتشار لأتباع الطائفة الإسماعيلية، ويتنتشر المذهب الإثني عشري في المحافظات الشمالية من اليمن بين صفوف الحوثيين الزيديين.

ووسط خريطة التنوع الديني والمذهبي اليمنية الضاربة بجذورها بعيدا في عمق التاريخ الشرق أوسطي، لم تحول الاقلية الدينية التي تتبع دينا معاصرا هو البهائية الى حالة من العلنية او الاشهار في المجال العام، او يتعرف الناس عليهم كظاهرة منتشرة على نحو واسع طوال فترة تواجدهم في اليمن، بل ان العديد من اليمنيين أسوة بغيرهم من سكان البلدان العربية لم يسبق لهم ان سمعوا بالبهائيين، وهو ما سبق ان شرحناه في ظاهرة “الأقلية التي تعيش في الظل”، على الرغم من إن البهائيين يؤرخون لجذور وجودهم في اليمن الى تاريخ يعود الى نهايات القرن التاسع عشر، وبالتحديد الى عام 1844م، عندما توقف حضرة الباب “علي محمد الشيرازي”، في ميناء “المخا” على البحر الأحمر.

يجعل هذا الحدث من اليمن احد المحطات المهمة في التاريخ الروحي للدين البهائي في الشرق الإوسط، أسوة ببلاد فارس-إيران (مولد مؤسس الدين في طهران 1817) والعراق (إعلان الدعوة البهائية في بغداد 1863) وتركيا (فترة نفي مؤسس الدين الى اسطنبول وأدرنة 1863) وفلسطين ( قبر مؤسس الدين ومحظة نفيه الأخير في عكا 1868-1892).

وفي الواقع، أصبح استهداف البهائيين واضطهادهم يكاد يصبح الدليل الأبرز على وجودهم، مع ان حالة البهائيين في اليمن تضرب مثالاً في هذا السياق، إلا ان استهدافهم هناك، قد سبق التحولات الثورية التي شهدتها البلاد إبان الربيع العربي، وما تبعه من عدم استقرار وصراع بين أجنحة السلطة.

 

 

وخلال الاعوام 2008-2016 يدأت قصة البهائيين اليمنيين تأخذ حيزاً في تاريخ الاضطهاد للاقليات الدينية في الشرق الاوسط، إذ تعرَّض البهائيون لإعتقالات من قبل الاجهزة الأمنية في عام 2008 شملت عدداً من البهائيين اليمنيين والمقيمين، وانتهت الحملة بترحيل عدد من المقيمين مع عائلاتهم، وبحسب “هيومن رايتس ووتش” فقد قام عناصر من الأمن القومي في يونيو/حزيران من عام 2008 باعتقال ثلاثة من البهائيين في صنعاء، كانوا يحملون جوازات سفر إيرانية، كما اعتقلوا بهائيا رابعا، كان يحمل جواز سفر عراقيا.

حمل عام 2013 الظاهرة الأبرز لإعتقال”حامد بن حيدرة” الذي اصبح خلال اعوام اعتقاله، الشخصية البهائية الأبرز في اليمن، بسبب قصته التي سلطت الاضواء على اضطهاد البهائيين على نحو يمثل انتهاكا صارخا لحقوق الانسانوضمانات حرية الدين والمعتقد. وخلال فترة اعتقاله التي أمتدت لسنوات كانت السلطة تعطل محاكمته من خلال التأجيل بصفة مستمرة من دون أن توجه إليه تهمة واضحة، كما تصر على حرمانه من علاج الإصابات ومضاعفات التعذيب الذي تعرض له.

وفي حادثة لاحقة لاعتقاله بعامين، اعتقلت السلطات اثنين من البهائيين اثناء جلسة محاكمته، ففي حين كان البهائيون يتوقعون الإفراج عنه أثناء جلسة المحكمة الجزائية التي انعقدت بتاريخ 8 مارس/اذار2015 لعدم ثبوت الادلة بالتهم الموجهة اليه، تفاجأ الحاضرون في جلسة المحكمة باعتقال اثنين من البهائيين اليمنيين، هما نديم توفيق السقاف ونادر توفيق السقاف، وقد كانا حاضرين في جلسة المحاكمة. وهكذا انضمت اسماء بهائية جديدة لقائمة المعتقلين في جلسة محاكمة أحد البهائيين، وهو ما يشير الى رغبة في محاكمة الجماعة بأسرها من خلال البحث، وبمختلف السبل، عن إدانة فرد من أفرادها.

في عام 2016 تحول الاعتقال الفردي الى عملية اعتقال جماعية، فقد داهمت عناصر مسلحة من “جهاز الأمن القومي”، أي وكالة المخابرات اليمنية، في 10آب 2016 ورشة عمل شبابية لبهائيين، واعتقلت 65 رجلا وامرأة، بينهم أطفال لم يتجاوزوا الخامسة عشرة من أعمارهم.

أطلق سراح العشرات منهم لاحقا، لكن السلطات الامنية تحفظت على بعض منهم، مثل “كيوان قادري” الذي يبلغ من العمر (43 عاما)، واحتُجز رجلان آخران حتى 27 نوفمبر/تشرين الثاني وأطلق سراحهما. ومثل حالة “حامد بن حيدرة” لم تُوجه تهم رسميا لقادري، ولم يمثل أمام قاض ولم يُسمح له بتوكيل محام، و رفضت السلطات مرارا السماح له بلقاء عائلته، وسمحت له بمكالمة هاتفية واحدة فقط في سبتمبر/أيلول 2016 حسب “هيومن رايت ووتش”.

واثناء عمليات الاعتقال تعرض البهائيون المعتقلون الى تعذيب جسدي ونفسي وحبس منفرد، وأجبروا على توقيع تعهدات ووثائق تحت التهديد على منوال معاملة البهائيين في العراق ومصر في السبعينيات، كما تعرضوا لمداهمة المنازل وحبس عدد من النساء والأطفال وترويعهم، وفي بعض الحالات التهديد بالقتل والتصفية الجسدية إن استمروا بممارسة عباداتهم.

 

 

وعلى الرغم من انه ليس لدى البهائيين مؤسسات رسمية مسجلة في اليمن أو محافل مركزية كما هو حال ايران والعراق ومصر (تم اغلاقها لاحقا في جميع هذه البلدان)، الا ان المؤسسات المدنية ذات الصلة بالبهائيين، والعاملة في اطار تعزيز التعايش السلمي في اليمن أغلقت بعد اعتقال من تواجد فيها، مثل (مؤسسة نداء للتعايش والبناء) و(مؤسسة التميز)، وهما مؤسستان مرخصتان تعملان منذ سنوات عدة، بمشاركة مختلف مكونات المجتمع اليمني من أجل تعزيز التعايش والمصالحة الوطنية ونبذ التعصب والعنف، وهي اهداف تبرز الحاجة اليها في بلد يخوض حربا داخلية وخارجية.

لو أخذنا حالة “حامد بين حيدرة” كدراسة حالة، فإنها لن تختلف عن عشرات القصص التي تعرض لها البهائيون اثناء اعتقالهم في أكثر من بلد عربي او أسلامي. إن طبيعة الاتهامات وطريقة توجيهها تلقي الضوء على طبيعة فشل الانظمة السلطوية المتعاقبة في أدارة التنوع الديني، واستثمارها الاقليات ككبش فداء، وحدود حرية الدين والمعتقد في الشرق الأوسط التي ترسمها دائرة ضيقة وحصرية من القبول والاعتراف.

ولد “حامد بن حيدرة” في اليمن في أسرة تحمل الجنسية اليمنية، ثم انتقل إلى الامارات، ثم عاد أخيرا ليستقر في اليمن في عام 1991م بعد أن اتحد الشمال والجنوب؛ وقام بتجديد وثائقه. تعلق بمسقط رأسه في “سقطرى”، وارثا حبه لها من والده، وحرص على ان يسكن فيها عندما عاد إلى اليمن ويخدم اهلها تنفيذا لوصية والده، وعمل خلال سنوات على بناء مدرج مطارها وعدد من المنشآت الحكومية.

كان والده طبيب عائلة السلطان “عيسى بن علي بن عفرار” وجميع أهالي سقطرى، وقد عرف بين السكان بالتفاني في خدمة الجميع، ورزق خلال سنوات أقامته الطويلة فيها بأبنائه علاء وهدى و إلهام وحامد، وقد منحه السلطان عيسى الجنسية اليمنية تكريما له وتقديرا لخدماته، كما منحه لقب “بن حيدرة” كدلالة على التكريم وعده جزء من نسيج المجتمع.

ونتيجة للحكم الشيوعي لجنوب اليمن، غادرت عائلة بن حيدرة مع عائلة السلطان إلى الامارات، وقد كان ذلك قبل تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة. استقر والده فيها وخدم كطبيب، وعاش بنفس القيم الأخلاقية التي عرف بها في سقطرى من قبل، وخدم مجتمعه الجديد كما هي حال البهائيين الذين يكرسون أنفسهم لخدمة مجتمعاتهم المختلفة التي يعدونها أسرة انسانية واحدة.

ونتيجة لعمل “بن حيدرة” وتفانيه منح ايضا الجنسية الإماراتية بأمر من ديوان سمو المرحوم الشيخ مكتوم. وبعد أحتلال العراق للكويت واندلاع حرب الخليج 1991 شارك حامد مع الشباب الاماراتي الذي دعي للخدمة العسكرية، وتطابقت مشاركته مع الاخلاق البهائية التي تنبذ العنف وتؤكد على قيم السلام، فتطوع لتأدية الخدمات الصحية والإنسانية لتضميد الجراح وتنظيف المخيمات وخدمات التغذية والبناء، وتم تكريمه عند انتهاء الحرب أسوة بغيره من المتطوعين الاماراتيين.

أثارت قصة اعتقال “بن حيدرة” ضجة في صفوف البهائيين قبل ان تتخذ منحى دوليا، إذ تم اعتقاله تسعة شهور في الامن القومي في حين كانت اسرته تبحث عنه دون طائل، وحبس لمدة ثلاث سنوات دون حكم. وتعرض لصنوف الإهانة والاعتداء والتعذيب بالضرب والصعق الكهربائي، وحقن مرتين بإبر لإنتزاع اعترافات منه، وعانى من تبعات التعذيب، وفقد السمع في إحدى أذنيه من شدة الضرب، ومنع من تلقي الرعاية الطبية على الرغم من حاجته الماسة إلى عمليتين جراحيتين.

ووصف حامد الاجراءات المتخذة بحق البهائيين بكونها “إجراءات تعسفية ظالمة لم نعتدها في اليمن، فالقيم اليمنية الاصيلة لا تسمح بإهانة النساء واعتقالهن واعتقال الأطفال ومداهمة البيوت دون مراعاة حرمتها. إنها سلوكيات دخيلة لم نعتدها في مجتمعنا. لا شك بأن هناك سوء فهم وتشويه للحقائق وتضليل للمجتمع. يبدو أن مبادئ الدين البهائي والتي تدعو للسلام والمحبة والتعايش ومكارم الاخلاق والتي تنبذ القتال وحمل السلاح والصراعات الحزبية السياسية لم ترق للبعض ممن يحرصون على الكراهية والصراع لتحقيق مصالحهم”. ويلخص حامد سبب اعتقاله بسبب عقيدته قائلا “أنا اؤمن بأن مبادئ الدين البهائي هي العلاج لمشاكل العصر من صراعات وحروب وقتال وطائفية وتعصب فهي كالنور، وبالتأكيد فإن الظلام لن يعجبه النور”.

وجهت لحامد جميع الاتهامات المقترنة بالبهائية، ومنها ما يتعلق بكون مركز الديانة في إسرائيل، وتواصل البهائيين مع قبلة الدين البهائي وانتهاك استقلال الجمهورية اليمنية ووحدتها، والإساءة إلى الإسلام، والردة الخ. وقد رد “حامد” على جميع هذه التهم ودحضها، كما سبق للبهائيين أن كتبوا ادبيات للرد على التهم الموجهة لهم طوال موجات الاعتقال والتشويهات الدورية التي تعرضوا لها خلال عقود في مصر والعراق وايران.

سخر حامد من التهمة الموجهة له بإنشاء وطن قومي للبهائيين في اليمن، بقوله “يقول المثل (تُعرف الكذبة من حجمها)، هل بمقدور فرد مثلي ان يؤسس وطنا؟ من اخترع هذه الفِرية لم يكن لديه ادنى معرفة بالتعاليم البهائية التي تحرم التدخل في السياسة، وتحرم القتال والخصام، وتأمر بخدمة الأوطان والتفاني من أجل خيرها وخير مجتمعاتها. البهائيون متواجدون في كافة أرجاء العالم وأخلاقهم وسلوكياتهم معروفة للجميع ومثل هذه التهمة أبعد ما تكون من الفكر والايمان البهائي”.

ورد حامد على تهمة قبلة الديانة في اسرائيل بما معناه، ان لا علاقة بين وجهة القبلة للمؤمن البهائي وطبيعة الخلافات السياسية بين الدولة التي ينتمي اليها والدولة التي تحوي قبلة صلاته، وضرب مثالا لذلك بخلاف بعض أهل اليمن مع جارتهم العربية السعودية، لكن هذا لم يدفعهم لتغيير قبلتهم من مكة الى مكان أخر، واضاف إن المسجد الأقصى أولى القبلتين في إسرائيل، فهل يقلل هذا من أهميته؟ هل المسلمون اغلقوا مساجدهم ومراكزهم في القدس لأنها تحت سلطة إسرائيل؟.

وأضاف “من الطبيعي جدا أن أصحاب أي دين يرتبطون عاطفيا وإيمانيا بمواقعهم المقدسة وبقبلتهم ، وهذا لا يكون له أي تبعات سياسية. فالتاريخ يعلمنا بأن الدول والظروف السياسية تتغير إلا أن المواقع الدينية والتاريخية تبقى ثابته راسخة لا تتغير. أرض فلسطين ارتبطت تاريخيا بجميع الأديان، سار عليها الرسل والانبياء وتشرفت بوجود العديد من المواقع الدينية فيها، هذه حقيقة تاريخية لا تستطيع السياسة تغييرها”.

ومن المؤكد ان من يراجع تاريخ الديانة البهائية سيعرف بيسر، إن الدولة العثمانية نفت مؤسس الدين البهائي “بهاء الله” وسجنته في عكاء إلى آخر حياته، وتوفي هناك، وكان ذلك قبل تأسيس اسرائيل بفترة طويلة. وإذا كانت قبلة البهائيين في اتجاه نقطة النفي الاخيرة لمؤسس الدين البهائي لهذه الاسباب، فإن ربطها بالصراع الحالي لتبرير اضطهاد البهائيين ليس سوى قشرة تخفي التعصب وأزمة عدم تقبل الاخر المختلف من قبل النخب السياسية، ويؤدي الى فشلها في ادارة التنوع على صعيد الدولة.

 

 

في مصر من الانفتاح الى الموت المدني

 

إذا كانت بلاد فارس قد شهدت مولد مؤسس الدين البهائي “بهاء الله”، واحتلت بغداد مكانة العاصمة التي أعلن فيها دعوته، وضمت عكّا في فلسطين قبره، فإن لمصر دورها في قصة انتشار الدين البهائي ورحلته الى العالمية.

كنت محظوظاً بالحصول على مخطوطة لـ”أمين ابو الفتوح بطاح” ذاكرة البهائيين المصريين، يسجل فيها تاريخ البهائية في مصر. والفضل في ذلك يعود للناشطة البهائية “راندا شوقي الحمامصي” اصغر معتقلة بهائية في حادثة اعتقال البهائيين في سبعينيات القرن الماضي، وسأتناول قصتها في موضع آخر.

تؤرخ مخطوطة “أمين بطاح” لدخول الديانة البهائية في مصر منذ عام ١٨٦٤، إذ حملها مجموعة من تجار السجاد الإيرانيين، وذلك قبل ان تتوقف، بعدها بعامين، السفينة التي تقلّ “بهاء الله” في ميناء الاسكندرية، في طريقه الى منفاه الأخير في عكّا في عام 1868.

ولفترة تصل الى قرن تقريباً، أي بين عامي ١٨٦٤- ١٩٦٠، حضرت البهائية بهدوء في المجال العام في مصر، جعلت من الأخيرة مقراً نشرياً للبهائية في الشرق الأوسط، إذ تم ترجمة وتأليف كتب مهمة للتعريف بالبهائية وكتبت ردود للدفاع عنها. لعل من ابرزها كتابي “مطالع الأنوار” و”القرن البديع” اللذين لا يُستغنى عنهما لفهم تاريخ الدين البهائي وانتشاره.

ومصر، تعد المكان الأول الذي أتيح فيه لعباس أفندي “عبد البهاء” ابن بهاء الله، وناشر الدعوة البهائية على المستوى العالمي، أن يجعلها محطة مهمة في رحلته للتبليغ ونقل رسالة الدين البهائي من الشرق الى الغرب، وخاض فيها أوسع نقاش حول مضامين الديانة الجديدة في دولة مركز اسلامي مهم، يمثل الحضور الديموغرافي الأكبر للمسلمين السُّنة في الشرق الأوسط، مع ما تحتله مؤسسة الأزهر من رمزية دينية في إطار العالمين العربي والإسلامي.

ولِدَ عباس أفندي في طهران في 1844 في اليوم نفسه الدي أعلن فيه “الباب” دعوته في شيراز ببلاد فارس. وعاش مع والده “بهاء الله” جميع مراحل الحبس والاضطهاد التي تعرّض لها مؤسس الدين البهائي واتباعه الأوائل، ورافقه في رحلة العذابات والنفي المرتبطة بتشكل الدين الجديد.

واذا كان “عباس أفندي” قد خاض أحاديثا وناقش علماء بغداد، وفي ما بعد في “ادرنة” في الدولة العثمانية، لكن حواراته مع علماء مصر ومثقفيها هي التي أبرزت شخصيته كزعيم للبهائيين في زمانه، او كما وصفته مجلة البيان المصرية في عام ١٩١٣ “بطل الإصلاح الديني في هذا العصر”.

 

 

لذا، تحتل مصر أهمية استثنائية في تاريخ انتشار الدين البهائي، لأسباب نجملها بالآتي :

– أُعلن في مصر لأول مرة عن الاعتراف بإستقلالية الدين البهائي “في حكم قضائي” عن بقية الأديان السماوية الشرق أوسطية مثل الاسلام والمسيحية واليهودية. وقد بدأت القصة بهجوم حرَّض عليه مأذون قرية كوم الصعايدة، مركز “ببا” في محافظة بني سويف على ثلاثة أشخاص بهائيين، وانتهت القصة بحكم قضائي في العاشر من شهر أيار/مايو سنة 1925، تم فيه الإعلان أن البهائية عقيدة قائمة بذاتها ومستقلة عن الإسلام كإستقلال الإسلام عن المسيحية واستقلال المسيحية عن اليهودية.

– أصبحت مصر مركزاً لنشر نصوص الدين البهائي بالعربية والفارسية وترجمتها ايضا، وبهذا أُتيح التعريف عن الدين لشريحة واسعة من الناس، وأثر ذلك على اعتناق مؤمنين جدد للدين البهائي في كافة انحاء العالم العربي من المشرق الى المغرب.

– تحولت مصر الى “بوصلة الجغرافيا الدينية” لرحلة الدين البهائي من الشرق الى الغرب، بعد ان أقام بها “عباس أفندي” اثناء سفره الى أوروبا واميركا ١٩١٠-١٩١٣. وجعل منها حلقة الوصل بين المحلية والعالمية في رحلة الدين البهائي وانتشار دعوته عالميا.

– في الفترة نفسها، شهدت مصر أوسع نقاشات بين “عباس أفندي” ناشر ومبلغ الدين البهائي والوسط الثقافي والديني في مصر ١٩١٠-١٩١٣. وأتاح ذلك حوارا حول طبيعة الدين البهائي ودحض التهم الملفقة والصور النمطية التي كانت تسوقها الصحافة في بلاد فارس واسطنبول ضد البهائيين والدين البهائي، التي أُعيد إنتاجها عربياً من دون تمحيص.

– بعدها باربعة عشر عاما، اي بالتحديد في ١١ آذار ١٩٣٩ صدرت فتوى رسمية من قبل مفتي الديار المصرية استجابة لطلب وزير العدل حول مسألة دفن البهائيين في مقابر المسلمين، وكان من نتائجها تخصيص قطعتي ارض في القاهرة والإسماعيلية كمدافن مستقلة للبهائيين . من يومها اصبح للبهائيين مدافن خاصة لموتاهم تخضع لطقوس الدين البهائي.

– بعد هذه الفتوى بأحد عشر عاما، نظم المحفل الروحاني المركزي المصري ١٩٥٠ احتفالا عظيما بمناسبة مرور قرن على استشهاد حضرة “الباب” نجح نجاحاً منقطع النظير، بينما لم يكن على المستوى نفسه من النجاح في بلدان أخرى، بل اضطر البهائيون العراقيون لإلغاء الاحتفال بالمناسبة المئوية خوفاً من وقوع اضطرابات، وهو مؤشر أيجابي على الانفتاح الفكري والثقافي في عاصمة الرأي العام العربي المصرية آنذاك.

لكن الانفتاح المصري سرعان ما وصل الى نهاية مؤسفة عام ١٩٦٠ مع صدور القانون ٢٦٣ الذي يحظر البهائية. ومن هنا بدأت محنة البهائيين في مصر في ظل سياسة محت شخصيتهم القانونية، وحتمت عليهم موتاً مدنياً او تطهيراً ثقافياً.

ومصر هي أول دولة عربية تحظر البهائية، وأثّر قرارها بحظر البهائية في بلدان أخرى مثل العراق، ففي عام ١٩٦٠ صدر القرار الجمهوري في مصر بغلق المحافل البهائية، وبدأ البهائيون يواجهون مشاكل بصدد هويتهم الدينية وعباداتهم واماكنهم الادارية والروحية، إذ أُغلقت المحافل البهائية. وقد أُلقي القبض عليهم في ما بعد بسبب مخالفة هذا القرار على النحو نفسه الذي حدث في العراق جراء مخالفة قرار حظر النشاط البهائي في العراق الصادر في 1970.

أسست هذه السياسة المصرية تقليداً اتبع في دول اخرى تأثرت بمصر جمال عبد الناصر وسياساتها مثل العراق البعثي الذي تبنى قانوّناً مماثلاً في عام ١٩٧٠، أي بعد عشر سنوات بالضبط من صدور القانون في مصر، ورتب نتائج مماثلة خنقت حرية هذه الديانة وأتباعها طوال عقود مقبلة.

وعلى خلاف حالة العراق البعثي الذي شهد حملة اعتقالات جماعية واحدة نجم عنها سجن البهائيين بين 1974-1979 أُطلق سراحهم بعدها، من دون ان يتكرر اعتقالهم في السنوات اللاحقة.

يؤرخ “أمين بطاح” لدورة من الاعتقالات الجماعية التي تعرّض لها البهائيون المصريون بدأت منذ عام 1965 ، أي بعد خمس سنوات من صدور القانون رقم 263 لسنة 1960، وتوالت الاعتقالات في السنوات اللاحقة، 1967 ، و 1970 ، و1972 ، و 1985 ، و 2001.

 

 

ومن الواضح، من خلال قراءة مخطوطة البطاح عن تاريخ البهائيين في مصر، والقصص التي يفصلها عن طبيعة الاعتقالات ونتائجها، انها تنتهي بخروج البهائيين من السجن دون أثبات تهمة محددة، عدا مخالفة القانون المذكور. وما إن يخرج البهائيون من السجن ويتنفسوا الصعداء لسنوات قليلة، حتى يعادوا للسجن مرة ثانية تحت المبررات نفسها، ويتم اطلاق سراحهم مجدداً لذات الاسباب. وفي جميع الحالات كان البهائيون يخرجون من السجن بعد قضاء اوقات متفاوتة، فقد كانت السلطة في النهاية تدرك ان هولاء مواطنين مسالمين يطيعون القانون، لا معنى لاحتجازهم بسبب عقيدتهم الدينية ولا يشلكون خطرا يذكر. وهو الموقف ذاته الذي اتخذته سلطة البعث من البهائيين في النهاية، وتم الإفراج عنهم نهائيا عام 1979.

هذه الدورة من الاعتقالات الست التي تعرّض لها البهائيون خلال الفترة 1965-2001، تم فيها القبض على إجمالي 236 بهائياً مصرياً، بحجة مخالفة القانون رقم 263 أو بتهمة “ازدراء الأديان”. وفي المرات القليلة التي أُحيل فيها المتهمون إلى المحاكمة لم تصدر في حق أي منهم أية أحكام بالإدانة في أي من التهم الموجهة إليهم حسبما توثق “هيومن راتس ووتش” في تقريرها “هويات ممنوعة”.

وقد سجلنا أسباب صدور القرار في العراق في سلسلة حلقات عن تاريخ الطائفة البهائية في العراق، اما عن صدوره في مصر، فقد جاء في ظل الوحدة مع سوريا 1958، وفي ظل “دستور الوحدة” لم ينص صراحة في أي بندٍ من بنوده علي حرية العقيدة، واستمر العمل به حتى عام 1961 حين وقع الانقلاب العسكري في سوريا 19٦١، وقد بينت الناشطة البهائية المصرية “باسمة موسى” في مقابلة معها، أسباب صدوره في مصر بقولها “المشكلة حدثت أيام حكم الرئيس عبدالناصر عندما ذهب إلي سوريا، وسمعت هذا الكلام في ندوة من أناس كبار، فقال له الرئيس السوري آنذاك: ليه تخلي البهائيين عندك والمكان المقدس بتاعهم موجود في عكّا”؟

ومع ذلك استطاع البهائيون التكيف مع قرار الحظر في مصر، كما تكيفوا مع القرار ذاته في العراق من خلال الطاعة والامتثال للقانون، وهذا جزء من عقيدتهم. لكن محنتهم بدأت تتخذ منحى آخر وتتحول الى حالة “تطهير قانوني” او “موت مدني” في قضية البطاقات الشخصية.

فعلى الرغم من قرار حظر النشاط البهائي ١٩٦٠ وإغلاق المحفل البهائي، بقيت الهوية الدينية مثبتة في الاوراق الرسمية، وكان يُكتب للبهائيين في الأوراق الثبوتية “بهائي” أو يؤشر بعلامة “ــ” ولم يتعرّض البهائيون على ذلك. حتى عام ١٩٩٨ عندما بدأ العمل ببطاقات الرقم القومي، ووضعت خيارات أمام الفرد بالنسبة للعقيدة الدينية هي : مسلم – مسيحي – يهودي – أخرى، ولم تكن هذه مشكلة ما دام بالامكان نقل بيانات البهائيين على خيار “أخرى”، وبدأت تصدر بطاقات رقم قومي للبهائيين تحتوي على خيار الديانة “أخرى”، لكن لم ينجح جميع البهائيين في استخراج البطاقات مع خيار أخرى.

 

 

وتعقّد الأمر في عام ٢٠٠٤ بصدور قرار إداري، يختصر خيارات الاديان في “مسلم – مسيحي – يهودي”، ومن ثم أصبح البهائي امام خيارات صفرية، ومن دون ان يختار احد هذه الخيارات الثلاثة التي تعني تخليه عن عقيدته، يصبح “ميتا مدنيا” وجرِّدوا من “الشخصية القانونية”، لأنه يستحيل عليه استخراج بطاقة هوية شخصية.

ان التحديد الحصري لمفهوم حرية المعتقد على نحو يرسم دائرة ضيقة من الاعتراف واضح من خلال التزام كل مواطن مصري عند تحديد الديانة أو تسجيلها، أن يختار احدى الديانات المعترف بها والتي تقرها الحكومة، وهي التي يشار اليها عادة بالديانات “السماوية” او الديانات الابراهمية: الإسلام والمسيحية واليهودية. وليس للمواطن المصري ان يختار هوية دينية أخرى

وبما إن القانون يُلزم كل مواطن مصري بلغ سن السادسة عشرة عليه ان يحوز على بطاقة تحقيق الشخصية تحمل الرقم القومي يُمنح للفرد عند ميلاده. فعلى المواطن البهائي ان يخالف قناعته الدينية ويختار ديناً أخر، بخلاف ذلك، لن يُمنح هذه البطاقة ويعد “ميتا مدنيا”. وحالة “الموت المدني” واضحة من خلال إعدام “شخصيته القانونية” ويتحول الى شبح لا يحق له الالتحاق بالتعليم الجامعي، ولا الحصول على وظيفة، ويستحيل عليه السفر داخل او خارج البلاد، ولا فتح حساب مصرفي ناهيك عن حقوقه السياسية كالانتخاب. ويترتب على ذلك ايضا وفي ضوء عدم وجود البطاقة الشخصية انه لا يستطيع ان يستحصل شهادة ميلاد او يستصدر عقد زواج او وفاة، لان جميع هذه الوثائق تستلزم إثبات الديانة في ضوء دائرة القبول الرسمية ويقرّ ما هو خارجها ما لم يتطابق مع الاملاءات الرسمية.

وحسب “هيومن رايت ووتش” فإنه “مع اعتماد نظام الحاسب الآلي لحفظ وإصدار هذه السجلات الهامة، فقد أصبح هذا التجاوز يحدث بشكل أكثر منهجية. ففي الماضي، كان البهائيون المصريون الذين يواجهون مثل هذه المشكلة يتمكنون في بعض الأحيان من إقناع أحد مكاتب السجل المدني التابعة لمصلحة الأحوال المدنية بترك خانة الديانة فارغة أو تدوين كلمة “أخرى” أمامها. غير أن الحكومة أضاعت عليهم هذا الحل باشتراطها على كافة المواطنين استبدال بطاقاتهم الورقية القديمة بأخرى صادرة عبر الحاسب الآلي قبل مهلة قد انتهت في أوائل عام 2008″.

 

 

سعد سلوم – باحث عراقي، رئيس تحرير مجلة مسارات و عضو المجلس العراقي لحوار الأديان.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك