سبايا القرن الحادي والعشرين

سعد سلوم

 

كتبت الباحثة الاميركية “كيلي أوليفر” عن استخدام النساء كأسلحة حربية في كتابهاWomen as Weapons of War، من قصص استخدام النساء كأدوات للاستجواب والتحقيق في سجن أبو غريب، الى قصص الفدائيات الفلسطينيات، ومن خلال ذلك كشفت عن الولع الانساني بالجنس والعنف والموت الى حد يطمس الحدود بين الواقع والوهم، ويمهد لأشكال فظيعة من العنف والابادة، مرورا بتنميط الآخر المختلف، ناظرا ومنظورا إليه.

 

فقد اثبتت صور وفيديوهات السبايا الايزيديات فرضية غربية عن عجز الرجال الشرقيين، ففي الوقت الذي اثارت فيه هذه الصور رعبنا العميق من الجسد الانثوي والامومي بوصفه رمزا لشرف الرجل، اصبحت دليلا على عجز الرجل المطلق، واتصف عنف الانتهاك بطابع احيائي للذاكرة، فهو عنف مألوف بطريقة ما، بسبب تاريخ تعامل الاغلبية المسلمة مع الاقليات غير المسلمة، وذاكرة الغزوات (الفتوحات)، وكان مألوفا ايضا بالنسبة للغرب، بسبب تطابقه مع الصورة النمطية عن الآخر، كان عنفا لا يخصنا، عنفا بدائيا بينهم “هم”، هولاء الذين يعيشون خارج التاريخ ولا يستطيعون إنقاذ نسائهم من دون تدخلـنا “نحن”.

وفي سياق تبني مختلف تقنيات التهرب من التدخل الفعلي لإنقاذ الضحايا كان تصفيق الغرب لـ”فيان دخيل” ومنحها جائزة دولية، موفرا للراحة من التفكير في مصير آلاف الضحايا في خلفية المشهد، لقد تم حذف الضحايا الفعليين من المعادلة، ولن يقوى الحس الدولي المصطنع بالإنسانية على وضع قصة واقعية واحدة على طاولة التشريح الاخلاقي، مثلا : تعرضت فتاة ايزيدية عدة مرات للاغتصاب، نقلت الى سوريا وحرقت من قبل مغتصبها الذي رماها في الشارع، قبل ان يتم التقاطها ورعايتها من قبل عائلة سورية اشفقت عليها، ثم فارقت الحياة.
هذه قصة لا يمكن ان تكون مفيدة في خطاب تحرير النساء من مخالب المتوحشين لأنها تكشف زيف الادعاء الغربي بالتدخل لمنع الابادة. خطاب الرئيس “اوباما” الانقاذي استحضر الصورة المناسبة للنائبة العراقية التي اثار بكاءها الشهامة الاميركية، كانت دموعها تكشف عجز الرجال الشرقيين عن إنقاذ شرف المرأة، فكان لا بد ان يكتسي تدخل السوبرمان الاميركي طابعا خلاصيا من اجل تحرير المرأة الشرقية، وهذا في جوهره لا يختلف عن خطاب الرئيس “بوش الابن” لتبرير التدخل في افغانستان برفع الحجاب عن “كابل” وإطلاق سراح الافغانيات المحتجزات في البيوت.
وقد وصفت السبايا الايزيديات بالشجاعة، من خلال إقدامهن على الانتحار، أو طلبهن قيام قوات التحالف بقصفهن، ليست هذه في الخطاب الغربي سوى شجاعة الهزيمة امام الشعور بالعار، لأن الرجال “هناك” لن يتقبلوا الضحايا التي يمكن تقبلها “هنا”، أما ان يكون هذا فعلا فدائيا من اجل حماية الجماعة، اضحية تعاد صياغتها من طقوس غابرة في القدم لحماية قدسية الجماعة ودوامها. فهذه فرضية لا تخدم خطاب التدخل المخاتل.
للأسف، لن يركز مقالنا على تحليل تقنيات خطاب التدخل، و قضايا اخرى مهمة مثل تحليل الجوانب البورنوغرافية pornographic (الإباحية) للصور والفيديوهات التي نشرت عن السبايا، بالرغم من اهميتها الاستثنائية في كشف تناقضنا الاخلاقي و طريقة فصل انفسنا عن الضحايا، وتعرف “كيلي أوليفر” النظرة البورنوغرافية بقولها : تعني ان المنظور اليه يكون مصدر لذة، او مشهدا ممتعا في حد ذاته، دون اهتمام بذاتية المنظور اليهم او انهم في وضع مهين، إذ لن يكون هذا التحليل مفيدا في سياق مقاربتنا، فقد يبتعد بنا عن الجوانب التي اراها اكثر اهمية في عد ما حدث للايزيديين ابادة جماعية، كما انني لا اريد من هذه الاشارات الاولية الايحاء بكون العنف الذي طال الايزيديات موجها على اساس الجنس Gender بل هو عنف من نمط آخر يستهدف تدمير الجماعة وتحطيمها عن طريق استهداف اضعف حلقة فيها (النساء). هذه الحلقة المرتبطة في مخيالنا بكل ما يمثل “الشر” منذ إغراء حواء لآدم وحتى إغراء مونيكا لوينسكي للرئيس كلينتون.
ليس “كنغ كونغ” في قصة السبايا وحشا يمكن ان تروضه جميلة إيزيدية يقع في غرامها، بل هو صانع فرانشكتاين يجمع اجساد الضحايا ككل محولا اياها الى قنبلة قاتلة للجماعة ككل، ومن خلالها استهدف تدمير المجتمع بأسره. باختصار انصبّ فعل الابادة الحقيقي (على) الايزيديات (ومن خلالهن)، اذ استهدف تدمير الجماعة أكثر من عمليات القتل الجماعية للرجال. كان فعل “السبي” وما تبعه من اغتصاب جماعي استخداما آخر للنساء كسلاح في الحرب. سلاحا بايولوجيا يفجّر هوية الجماعة من الداخل.
انتهك هذا السلاح حرمة هوية جماعة غير تبشيرية، وشكل محاولة للقضاء على طابعها الإثني المغلق بإحكام، ورتب آثارا قانونية تشجعنا على اجراء مراجعة لمنظومتنا التشريعية، وفي سياق اعم اجراء “مراجعة ثقافية” اطلقتها من على صفحات “المدى” منذ تموز الماضي.
كان سبي النساء واغتصابهن من قبل مقاتلي داعش نوعا خاصا من الهجوم، نوعا قد يثير قلق العالم بوصفه هجوما قائما على النوع Gender ، لكنه كان أكثر من ذلك بكثير، فقد استخدم كوسيلة للتطهير العرقي Ethnic cleansing لتحقيق اهداف تتعدى مجرد الاعتداء على النساء واستخدامهن كسلعة في سوق نخاسة القرن الحادي والعشرين.
فقد كان استخداما للنساء في الحرب بهدف الترويع والاذلال الجماعي لأقلية دينية وحطّ لكرامتها، وايضا بهدف التأثير على التكوين العرقي لهذه الاقلية الدينية، وبذا ينتمي هذا الفعل الى سلسلة الابادات التي حاقت بالايزيديين والتي تعرف باسم الفرمانات، فهي من حيث الجوهر تعد استمراراً لتلك السياسات التي حاولت استئصال الايزيديين وتغيير عقيدتهم والتأثير على تكوينهم العرقي والديني المتميز. والافعال التي تكون اركان هذه الجريمة مماثلة لما فعله الاتراك بالارمن لدفع النساء الارمينيات لاعتناق الاسلام، ولما فعله الصرب بالبوسنيات، والهوتو بالتوتسيات إذا اردنا الحديث عن سياق مقارن.
ولكن قبل تحديد ماهية هذا الفعل، دعنا نقيم نطاق استيعاب التعاريف الدولية لتعقيد الفعل وتداعياته، هذا اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار اصلا انه حتى هذه اللحظة، لا يوجد تعريف دولي للاغتصاب متفق عليه بالرغم من عدّه (جريمة ضد الإنسانية).
يذهب موقف قانون محكمة يوغسلافيا السابقة، وقانون محمكمة راوندا الدولية وقانون المحكمة الجنائية الدولية الى عد الاغتصاب (جريمة ضد الانسانية). وبشكل اكثر تفصيلا فقد عدته محكمة يوغسلافيا السابقة انتهاكا جسيما، جريمة حرب، جريمة ضد الانسانية، جريمة ابادة (حسب الحالة). لكن التعريف الاوضح هو الذي ورد في محكمة راوندا الذي عرفه بوصفه: اعتداء فيزيائيا (طبيعيا) ذا طبيعة جنسية يرتكب ضد اشخاص في ظل ظروف قهرية.
إذا ما حاولنا وضع هذا التعريف تحت مجهر الواقع، نجد في حالتنا المعنية ان فعل الاعتداء انطوى على تحويل الغزاة لـ “السبايا” الى آلات حية للتدمير، آلات قاتلة. تكتيك الغزاة حول الضحية الى قاتل، او على الاقل الى حاملة للجينات القاتلة، تتحول الضحية هنا من رمز خالقة الحياة واستمرار وجود الجماعة وديمومتها الى آلة تدمير داخلية، قنبلة بايولوجية داخلية تدمر طهرانية الجماعة الإثنية ونقاءها الديني، وإطلاق دورة انبعاث وفناء تربط مواسم ولادات حيوات جديدة (جينات القتلة) بموت الجماعة وفنائها. بناء على هذا التحليل يصبح التعريف البارد للاغتصاب الذي اوردته محكمة راوندا لا يستوعب فظاعة فعل الانتهاك وحدود تأثيره المدمرة.
فالاعتداء الفيزيائي يصبح جزءاً من الافعال التي تكوّن الجريمة وسلاحا في عملية الابادة الشاملة، استهدف تدمير الهوية الجماعية من خلال بث الرعب وكسر صمود وإرادة المقاومة لدى الرجال، وتقويض لسلطتهم. استخدمت النساء كسلاح لتهديم وتفتيت هوية الجماعة من الداخل، فكان جزءاً من ستراتيجية الغزاة لهزم الخصم والقضاء على إرادته من خلال استهداف الحلقة الاضعف فيه.
“القتلة” هنا يستخدمون “اسلحتهم الذكورية” ايضا لفض “بكارة” الجماعة وهتك عذريتها الدينية، فهي لم تعد “مقفلة إثنيا” منذ الآن، بل انتهكت بفعل الاغتصاب بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وهدم جدارها غير التبشيري الى الابد.
و”نية الحمل” التي تعد قرينه على فعل الابادة، تحول الفعل الشنيع للاغتصاب من انتهاك لجسد المرأة الى فعل انتهاك لطهارة الجماعة ونقائها الإثني، ان قتل الرجال الإيزيديين يقضي على جزء من الجماعة (ينطبق عليه نص ف 1 من تعريف الإبادة)، لكن اغتصاب النساء وحده يقضي على الجماعة وهويتها، ويحيل الجسد الأنثوي الى سلاح دمار شامل.
ولكي نرتب حلقات التدمير المتسلسل في فعل الانتهاك سنبدأ برسم امتدادها من حلقتها الضيقة وانتهاء بحلقتها الاكبر التي تمثل المجتمع بأسره :
1- الحلقة الأولى (من انتهاك الضحية الى استهداف الضحايا ككل): تضمن فعل الانتهاك هدما للكيان المادي والمعنوي للضحايا، ومن خلال ممارسته امام الضحايا الآخرين مس كيانهم الديني والاثني، لذا كان فعلا موجها ضد مجموعة الضحايا ككل، ومن خلال الضحايا استهداف الجماعة بأسرها. وبذلك ينطبق عليه تعريف اتفاقية جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة لعام 1948، فقد حددت المادة الثانية من الاتفاقية الافعال التي تشكل جريمة الابادة الجماعية (تعني الابادة الجماعية أياً من الافعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه : (أ) قتل أعضاء من الجماعة، (ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطر بأعضاء من الجماعة) ، وفعل الانتهاك متعلق بما ورد في الفقرة الثانية من المادة. فقد سبب معاناة جسدية ومعنوية لأعضاء من الجماعة. ومن ثم كان يؤدي الى تدمير الإيزيديات، ومن خلال ذلك تدمير الإيزيديين ككل.
2- الحلقة الثانية (تدمير الرجال من خلال تدمير النساء) : كان فعل الانتهاك فعل إبادة من حيث الهدف والنتائج المترتبة عليه، فقد استهدف الأضرار المادية البدنية بالنساء، والتدمير المعنوي والنفسي والعقلي لهن، وهو ما يصعب شفاؤه او علاجه، محولاً النساء الى ضحايا مزدوجات. فهنّ ضحايا بسبب الفعل المادي للاغتصاب، وهنّ ضحايا العار من خلال العقاب الجماعي للمجتمع (الاشمئزاز من قبل العائلة والشعور بالعار من قبل المجتمع).
وقد استهدف تدمير الرجال من خلال ذلك، أي من خلال تدمير الروابط الأسرية (العائلة)، فالتأثير في الذكور وإلحاق العار والذل بهم يكسر إرادتهم ويدمرهم نفسيا، وبذلك يخلق شرخا عاطفيا يصعب إزالته. وهنّ ضحية مرة ثالثة في ظل النظام القانوني العراقي، وحسب ما اخبرني به القاضي “رحيم العكيلي” فإن الضحية هنا لا يمكن لها ان تجهض الجنين وإلا عُدّت قاتلة حسب القانون، أما الطفل الذي يكون نتاج فعل الاغتصاب فسيكون مسلما، لأن القانون يقضي بكون من يولد لأب مجهول مسلما. وبذلك تعامل الضحية كمجرمة إذا ارادت ان تتخلص من نتائج الانتهاك، فيسهم النظام القانوني في اكمال مهمة القتلة في تحويل هوية الجماعة وإبادتها. لذا تتهم الاجساد المنتهكة للضحايا نظامنا القانوني باللاعدالة والتناقض وتجعله شريكا في الجريمة، انها تكشف عن القاتل الآخر المختبئ في طيات جلدنا والماثل في مؤسساتنا الدينية والسياسية القائمة على ثقافة مثلية أحادية.
3- الحلقة الثالثة (من تدمير الرجال الى تدمير الجماعة): ان نتائج التدمير لفعل الانتهاك بالتسلسل الذي عرضناه سيؤدي في النهاية الى تدمير الروابط المجتمعية من خلال (رد فعل المجتمع لمن يتعرض للاغتصاب) ، مؤديا الى إخراج الضحايا من الجماعة، وبذلك يصبح الاغتصاب هنا اقوى من فعل القتل المباشر للذكور، لأنه يصبح شاهدا ودليلا على التحطيم (تدمير الجماعة من خلال حقنها بدماء غريبة وكسر دائرتها الدينية والعرقية المقفلة) وإذلالها الذي يتسلسل من إذلال النساء (فعل مادي) والرجال (الشعور بالعار) والمجتمع ككل (رفض الضحايا).
4- الحلقة الرابعة (من تدمير الجماعة الى تدمير المجتمع) يؤدي فعل الانتهاك الى زعزعة الثقة الاجتماعية بين افراد الجماعات من خلال القضاء على فكرة الآخر المجاور، وفقدان الإيمان بالجار وقيم التعايش، فالآخر المختلف سوف يصبح منذ الآن رمزا وممثلا للقاتل، وبذلك يوجه الفعل ضربة قاصمة للهوية المشتركة القائمة على قيم الجوار والتعايش.
نُلخّص ما تقدم بالقول : لقد حوّل الاغتصاب النساء الإيزيديات الى سلاح للتطهير العرقي، فقد استهدف فعل الانتهاك الجنسي التغيير الجيني للهوية الإيزيدية، وعد فعلا مكملا للإبادة التي استهدفت قتل الإيزديين (الفقرة 1 من تعريف الإبادة). ويمكن اعتبار “الحمل قسرا” دليلا على نية الابادة، فهو دليل على تدمير الجماعة من خلال تغيير هويتها الدينية والعرقية، أي حقنها بدماء وعرق آخر. كان الضحايا مدنيين ينتمون لدين آخر غير تبشيري، وتم بطريقة وحشية قسرية من قبل مقاتلين ينتمون الى دين وعرق آخر، بهدف خلق جيل جديد يحمل المزايا النفسية للقتلة وصفاتهم الجينية، وعقائدهم الدينية.
لذا لا يمكن اعتباره عنفا مؤسسا على أساس النوع Gender بل على أساس الاختلاف الديني والعرقي بهدف إنهاء الوجود المستقل للآخر المختلف عن طريق استخدام النساء كسلاح في الإبادة.
سعد سلوم: كاتب و باحث عراقي
وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك