حمقى السلاح.. وسياسة العض على الأصابع!!

لا يعرف التاريخ حرباً أهلية انتهت بالإبادة الجماعية لأحد الطرفين المتقاتلين، وكأن أحدهما لم يكن يوماً.. فالمعارك الطاحنة والطويلة في الميادين تقود أطرافها نحو طاولة مستديرة في النهاية، لوضع حدٍّ لفعلٍ لا يخضع للعقل والتعقل والحكمة، وهو القتل!!

وبالتالي فإن الهزائم والانتصارات في العالم الانساني يتم إعلانها على طاولة المفاوضات.. وليس تحت القصف العشوائي والقتل الهمجي..

وإذا كنا قد دخلنا في حرب أهلية حقيقية داخل البلاد، فإن التاريخ يعلمنا، وفي جميع تجاربه التي عاشتها الشعوب والأوطان التي ابتلاها الله بهذه المحنة، أن لا طريق آخر سوى الحوار الجدي والحقيقي، بعيداً عن المناورات الرخيصة، التي يقصد منها كسب الوقت، أو تسجيل “نقاط” مبتذلة.. لا معنى لها.

فبدءاً من الطاغية الإسباني فرانكو، الذي أراد الحكم حتى لو كان الثمن اسبانيا الوطن والحضارة، مروراً بأمراء راوندا الموغلين بالدم والبدائية، وليس انتهاء بكوسوفو الذبيحة.

وربما كانت الحرب الأهلية الطويلة في لبنان، المثال الأقرب والأكثر حضوراً في حياتنا كسوريين، بحكم القرابة والجوار.. فبعد أكثر من مئة ألف قتيل، زحفت أطراف تلك الحرب إلى مائدة التفاوض، فجلس “الأخوة الأعداء” لإيجاد صيغة للعيش المشترك، بعد أن فقدوه لأكثر من خمسة عشر عاماً.

المفارقة، أننا نتحدث اليوم عن مئات الآلاف من الضحايا السوريين كقتلى، ومئات الآلاف أيضاً من الجرحى، ناهيك عن الملايين المشردين بين داخل البلد وخارجها، ونحن مازلنا على أعتاب إكمال السنة السابعة من المحنة.. فكيف إذا تحدثنا عن خمسة عشر عاماً من الحرب، شأن اللبنانيين؟!!

المعادلة الدموية في حياتنا أصبحت أكثر وضوحاً، ولم تعد تحتمل أية تأويلات أو “تدبيجات” لغوية: فلدينا المئات من  الضحايا يومياً، مع تهديم عشرات المنازل، وتشريد المئات “إن لم يكن الآلاف” من أهلنا عبر النزوح واللجوء… بشكل يومي!!

فضلاً عن عجز أي طرف من حسم هذه الحرب لصالحه، فلا النظام وحلفاءه الذين يستخدمون أقصى القدرات التدميرية، قادرون، عبر تلك القدرات على الحسم العسكري، ولا المنتفضون والمسلحين ومن يقف خلفهم من قوىً دولية، قادرون على كسر شوكة النظام وحسم المعركة ضده، مهما قدموا من تضحيات وخاضوا غمار المعارك الطاحنة، بإيمان أو بعدمه، فالحرب هي حرب دولية مسرحها الأرض السورية، صراعات دولية واقليمية، وللأسف تجري بأيادٍ سورية.

أعتقد أن كلا الطرفين يمارس سياسة العض على الأصابع، في سبيل تحقيق إنجازات على الأرض تجبر الطرف الآخر على القبول بشروطه، أو تصيبه باليأس فيسلّم بالمعركة مهزوماً، والواضح أن كِلا الطرفين قد فشل في مسعاه هذا.. والأهم أن كلا الطرفين لا يدرك أن سياسة العض على الأصابع هي سياسة انتهازية يدفع ثمنها الوطن غالياً، وإنها “أي سياسة العض على الأصابع” ليست أكثر من عض على قلوبنا، ونهش في روح الشام العظيمة، وأنها لن تؤدي في النهاية إلاّ إلى هزيمة جميع أطرافها، والعودة بشعار لا غالب ولا مغلوب، شأن جميع حمقى السلاح في التاريخ!!

أسامة أبوديكار – كاتب واعلامي سوري

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك