كيف اعترفت إسرائيل قبل الآن بقصف مفاعل دير الزور؟

بقلم : حياة الحويك عطية – كاتبة وباحثة، خبيرة في الإعلام السياسي.

 

بعدها تهدأ حملات الصحافة الفرنسية والأوروبية عموماً، والتفسير واضح، زيارة ساركوزي المُرتقبة إلى دمشق في 3 أبلول/سبتمبر. والتي استبقها بزيارة إلى مصر، والإعلان عن قمّة رُباعية ستُعقد الخميس 4 في دمشق بمشاركة سوريا وفرنسا وتركيا وقطر، على أن تخصّص للمفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب. وعليه تعود الصحف لتبرز تأكيد ساركوزي من دمشق إن تحسّن العلاقات مع سوريا لا تجعله يغفل أمر الدولة العبرية، لوموند 4، أيلول/سبتمبر 2008، كما نلحظ من الصحف أيضاً عناوين تقول إن توتال ستوسّع استثماراتها في سوريا

في 6 أيلول/سبتمبر 2007 قصف الطيران الإسرائيلي مفاعل الكبُر في دير الزور شمالي سوريا، ومن حينها شكل الموضوع وسيلة تلاعُب سياسية ترجمت عبر سنوات، بتناغمٍ كاملٍ ومضبوط التوقيت، بين وسائل الإعلام الفرنسية ـ الأميركية-ـ الإسرائيلية ـ البريطانية ـ اليابانية. وربطت بتهمة تعاون سوري ـ كوري شمالي في المجال النووي. لكن الحملة الإعلامية التي ركّزت على اتهام سوريا بالتعاون مع آخر “الدول المارِقة” الخطيرة، تفاوتت كثيراً في تواريخها بحسب الدول.

الصنداي تايمز البريطانية، كانت أول مَن نشر الخبر في عددها الصادر يوم 23 أيلول/ سبتمبر 2007، حيث كتبت “إن إسرائيل، وكي تحصل على موافقة الولايات المتحدة على قصف الموقع السوري، أرسلت فريق كوماندوس استطاع أن يعود بمواد من أصل كوري شمالي مرتبطة بالنووي قبل أن تقصفه يوم 6 أيلول/سبتمبر”.

وتبعت الإذاعة العسكرية الإسرائيلية في 2 تشرين الأول/ أكتوبر، لتقول إن جيشها قصف موقعاً عسكرياً في سوريا، وإن استخبارتها استطاعت أن تدخل إلى العمق السوري وتجمع أدلّة.

لحقت نيويورك تايمز في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2007 لتؤكّد أن الغارة الإسرائيلية على سوريا استهدفت مفاعلاً نووياً.

أما الإعلام الفرنسي (ومعه الوكالات العالمية)، فلم يشهد حملة منظمة حول هذا الموقع، إلا بعد ستة أشهر، بدءاً من نيسان/ أبريل 2008.

ضجّ شهر نيسان/ أبريل 2008، وفي مختلف وسائل الإعلام، بعشرات العناوين المستندة إلى خبر مشترك بين رويترز ووكالة الصحافة الفرنسية ومن هذه العناوين على سبيل المثال 9 في صحيفة واحدة (لوموند) وفي يوم واحد، 24 نيسان/ أبريل 2008:

-“الغارة الإسرائيلية على سوريا استهدفت مُفاعلاً نووياً”.

-“تساؤلات في واشنطن عن أنشطة كوريّة شمالية في سوريا”.

والأغرب أن الوكالتين المذكورتين عادتا في اليوم نفسه 24 نيسان/أبريل إلى التذكير بخبر صنداي تايمز قبل أشهر، وإعادته بحرفيّته، وتنقل عنهما الصحف العالمية والفرنسية بشكلٍ خاص.

كذلك الأمر بالنسبة إلى خبر نيويورك تايمز المذكور أعلاه، فقد أعيد تعميمه ونشره تحت عنوان: “إسرائيل كانت قد أخذت أدلّة على الأنشطة المرتبطة بالنووي في سوريا”      

-وكذلك أيضاً استعيد خبر الإذاعة العسكرية الإسرائية: “الجيش الإسرائيلي يعترف بأنه نفّذ غارة على سوريا”

-إضافة إلى عنوانين آخرين “واشنطن تراقب بدقة سوريا وكوريا الشمالية” ـ “واشنطن لديها مؤشّرات تعاون محتمل”

يوم 25 نيسان/ أبريل: “الولايات المتحدة تدين سوريا”  إدارة بوش تتّهم سوريا بأنشطة نووية

يوم 26 نيسان / أبريل “المنظمة الدولية للطاقة النووية تفتح تحقيقاً ضد سوريا”

وتأتي الغرابة يوم 29 نيسان/ أبريل إذ تنضمّ اليابان إلى الحملة فيعلن التلفزيون الرسمي الياباني : “كوريّون شماليون قُتلوا في الغارة على سوريا”، ويضجّ الخبر في وسائل الإعلام الغربية.

هذا الهجوم المُكثّف يطرح حتماً السؤال: ماذا قبله؟ مع ماذا تزامن؟ وماذا بعده؟.

بعد أقل من شهر تهدأ الحملة وتعلن وسائل الإعلام: “المحادثات بين إسرائيل وسوريا تخلق مناخاً جديداً”. وفي نصّ التقرير أن سوريا اعترفت بوجود اتصالات بوساطة تركية. لوموند 22 أيار/مايو،2008، لكن التهدئة لا تستغرق إلا يومين تعود بعدها وكالة الصحافة الفرنسية وأسوشيتد برس لتبرّر الغارة الجوية الإسرائيلية على سوريا بأنها تحذير لدمشق من تمرير أسلحة لحزب الله. كما تبرّر الطلعات الجوية الإسرائيلية بأنها لالتقاط صوَر. وتعود أ. اف. ب ورويترز  في 16 حزيران/ يونيو لتعمّم “جورج بوش ونيقولا ساركوزي يطلبان من سوريا فكّ ارتباطها بإيران”. يتصاعد الضغط أكثر: اعترافات حول فرع نووي كوري في سوريا” واللجنة ستزور الموقع في 22 و24 الجاري، لوموند 18حزيران/ يونيو،2008.

بعدها تهدأ حملات الصحافة الفرنسية والأوروبية عموماً، والتفسير واضح، زيارة ساركوزي المُرتقبة إلى دمشق في 3 أبلول/سبتمبر. والتي استبقها بزيارة إلى مصر، والإعلان عن قمّة رُباعية ستُعقد الخميس 4 في دمشق بمشاركة سوريا وفرنسا وتركيا وقطر، على أن تخصّص للمفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب. وعليه تعود الصحف لتبرز تأكيد ساركوزي من دمشق إن تحسّن العلاقات مع سوريا لا تجعله يغفل أمر الدولة العبرية، لوموند 4، أيلول/سبتمبر 2008، كما نلحظ من الصحف أيضاً عناوين تقول إن توتال ستوسّع استثماراتها في سوريا. ومن الملفت للنظر أن الجزيرة انسجمت مع موقع إيلاف التابع للأخوان المسلمين في الترحيب بالزيارة وتوقّع قمّة تركية ـ قطرية ـ سورية فرنسية في دمشق. غير أن الموقع أكد أن سوريا تريد من فرنسا أن تصلح بينها وبين الولايات المتحدة، مستشهداً بصحافي أميركي عامل في دمشق. لكن الموقع تبرّع بتحديد سبب “تدهور علاقة الولايات المتحدة بسوريا: دعم دمشق لحزب الله الشيعي اللبناني ودورها المفترض في مساعدة المُقاتلين الأجانب في التسلّل عبر اراضيها إلى العراق، وتحالفها مع إيران”، من دون أن ينسى الحديث عن قمع الإسلاميين المُتشدّدين والكرد (إيلاف 2أيلول/ سبتمبر 2008).

كلمات مفاتيح لا يحتاج معها المُحلّل إلى قراءة تفاصيل، حزب الله، العراق، إيران، توتال، وإسرائيل، وتحالف فرنسي ـ قطري ـ تركي، وضمناً إسرائيلي، ينسّق مع الأميركي.

بعد زيارة ساركوزي نجد ثلاثة عناوين متتالية عن المفاوضات السورية الإسرائيلية ودور تركيا والولايات المتحدة  قبل أن نجد عنواناً جديداً: “الوكالة الدولية للطاقة تضع سوريا تحت الضغط بسبب نشاطاتها النووية” لو موند 29 تشرين الأول/ نوفمبر 2008، في تفاصيل التقرير اعتراف بأن سوريا أوقفت هذا النشاط منذ 2007، لكن هذا الاعتراف يرد في جملة واحدة، ولا يغيّر شيئاً من لهجة التهديد الضمني والمباشر.

يستمر التصعيد ويعود العزف على الأوتار ذاتها: واشنطن تتهم دمشق بتمرير القاعدة الى العراق (11 أيار/ مايو 2009)، وكالة الطاقة الدولية تحقق في موقع الكبر الذي قصفته الطائرات الاسرائيلية في 6 أيلول/ سبتمبر 2007 بحجة انه امتداد لنشاط نووي كوري شمالي”، تعاون نووي بين بيونغ يانغ ودمشق، والاخيرة تحاول عرقلة تحقيقات وكالة الطاقة الدولية” لوموند، 27أيار/ مايو، 2009، ومن ثم إثارة قضايا حقوق الإنسان، مقدمة لزيارة الرئيس الأسد إلى فرنسا، حيث علقت على هذه الزيارة بتعبير يحمل التعالي الاستعماري: “سوريا تريد أن تكون محترمة وأهلاً للاحترام ولكنها تظل متشددة”، ويفسر التحليل ذلك بأن الأسد “قال لساركوزي خلال لقائهما في الإليزيه بأن إسرائيل تلعب على الكلام”، فيما اعتبرته الصحيفة “قولاً جافاً”، لوموند 13 تشرين الأول/ نوفمبر 2009.

الاختلاف الذي اعتبر “جافاً” توضح بعد شهر عندما نشرت الصحيفة نفسها زيارة رئيس الوزراء فرانسوا فيون إذ “ربط تحسن العلاقات بين البلدين بجهود السلام والعلاقات الاقتصادية والملف النووي الإيراني”، ليرد عليه ناجي العطري بأن امتلاك النووي السلمي حق، وأن المشكلة في النووي الإسرائيلي، وليرد هو بأن فرنسا “لا تساوم على أمن إسرائيل”، مضيفاً “ليس لدينا وقت نضيعه”، ومثيراً موضوع عقود الطائرات والمترو، لوموند 20 شباط/فبراير 2010.

بازار مفتوح لم تتغير عناوينه على مدى سنوات، وانتهى في زيارة الرئيس الأسد عام 2010، التي حسمت الشك باليقين رغم كل مظاهر الحفاوة التي ضجت بها وسائل الإعلام لمن لا يربط اليوم بالأمس والغد في خطاب الإعلام. أما من يتقن ذلك فقد قرأ نهاية اللعبة والدخول في المرحلة اللاحقة.

غريب أن يجعلنا الإعلام نصدق أن إسرائيل كشفت أمراً كان مكشوفاً ومعترفاً به منذ سنوات!!

غريب ألا نراجع ذلك كي نتمكن من الإجابة على السؤال: لماذا؟

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك