هل ينجح الأكراد في انقلابهم؟

بقلم :مالك الحافظ *

 

يمكن إن جاز التعبير أن نسمي مفاوضات مجلس سوريا الديمقراطية مع دمشق مؤخراً؛ بانقلاب متعدد الأهداف والنوايا سواء كان على المسارات السياسية المطروحة من أجل التسوية في سوريا أو حتى على القوى المنخرطة في الأزمة السورية.

 

ويشكل المكون الكردي في شمال شرق سوريا النسبة الأكبر من مجلس سوريا الديمقراطية ( مسد) الذي جلس إلى التفاوض على أمور سياسية وعسكرية مع حكومة دمشق.

 

ولكن ما الذي يسعى إليه مسد من هذه المفاوضات وإلى ماذا ستصل حكومة دمشق في جلسات قد تفضي إلى منح الأكراد امتيازات لم تكن تتوقع أن تمنحهم إياها مهما ساءت ظروف حكمها.

 

لا بد أن أكراد ” وحدات الحماية و حزب الاتحاد الديمقراطي” و من بعدهما ” الإدارة الذاتية” و مجلسي سوريا الديمقراطية ” العسكري و السياسي” قد أعلنوا القطيعة مع مسار التسوية السياسية الدولي بعد فشل كل المساعي في مشاركتهم بالمفاوضات إثر رفض تركي قاطع بعدم مشاركتهم في أي من المسارات التي خلقت من أجل التسوية في سوريا؛ لتدخل في تعاون لافت مع قوات التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا في محاربة تنظيم داعش الإرهابي.

 

وانطلاقاً من ذلك بدأت قوات سوريا الديمقراطية بتثبيت نقاط سيطرة كيانهم على مناطق شمال شرق سوريا بشكل عسكري؛ ومع سلسلة المتغيرات الجارية على الأرض السورية التي آلت لمصلحة حكومة دمشق باستعادة السيطرة على مناطق واسعة في محيط العاصمة وكذلك السيطرة على كامل محافظات الجنوب السوري (درعا والقنيطرة) بعد استعادة مدينة حلب ومحافظة حمص بالكامل.

 

فإن حكومة دمشق لا ترغب في استنزاف قدراتها العسكرية في حربها مع القوات الكردية؛ ما دام هناك فرصة للاتفاق و التفاهم حول مستقبل المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد؛ ولكنها قد لا تقبل بسهولة بمطالب مسد ( مجلس سوريا الديمقراطية) وهي التي تستند على قوتها العسكرية المدعومة من التحالف الدولي؛ وهنا يبرز التساؤل الأهم؛ كيف ستتقدم مفاوضاتهم مع دمشق بالتزامن مع نفوذ أمريكي في تلك المنطقة؛ الأمر الذي قد يشكل عائقاً رئيسياً في تقدم المفاوضات.

 

حكومة دمشق لن تتقدم في سير عمليتها التفاوضية ما لم تضمن تواجدها العسكري والاعتباري في محافظات الرقة و دير الزور و الحسكة؛ بما فيها الاستفادة من حقول النفط و الغاز أيضاً؛ وهذا ما سيتخالف مع المطامع الأمريكية في المناطق التي تتواجد فيها ضمن نفوذ سيطرة الأكراد.

 

هل دخل مسد في المبادرة التفاوضية؛ سعياً في محاربة تركيا وقواتها السورية التي تدعمها بشكل مباشر حيث سيطرت على منطقة عفرين بداية العام الجاري؛ ولم يخطط لما قد تطرحه دمشق من مطالب تسهل من قبولها للخوض بمراحل تفاوضية متقدمة.

 

كيف ستساهم هذه التفاوضات في تبدي النفوذ الأمريكي بسوريا؛ ولماذا ستقبل واشنطن أساساً بذلك؛ وماذا عن الجانب الروسي وهم الذين أعطوا الضوء الأخضر لتركيا بالتمدد إلى عفرين.

 

أكراد مسد يطرحون بشكل رئيسي وضع نظام اللامركزية أساساً للحكم المستقبلي لمناطق سيطرتهم؛ بما يسمح باستمرار حكمهم لمناطقهم؛ و دمشق تطالب بفرض السيطرة على المحافظات الشرقية و مواردها الغنية؛ هذه المطالب ستحتاج لمقاربات ليست بالسهلة وستتطلب لجهود كبيرة وتحديات هامة؛ ولن تحدث بشكل منفرد فهي مرتبطة بمتغيرات جيواستراتيجية على الأرض السورية.

 

قد يحتاج مسد لإبداء حسن النوايا بشكل أكبر حتى تتقدم مساعي دمشق أكثر صوبهم؛ وبنفس الوقت فإن دمشق لن تستطيع التقدم خطوة واحدة عسكرية تجاه مناطق مسد ما زال النفوذ الأمريكي قائماً هناك.

 

لن تكتفي دمشق باعادة استلامها لسد الفرات مثلما أشيع خلال الأيام القليلة الماضية؛ وكذلك تلك الرسائل التي بثوها قادة أكراد بامكانية تعاونهم مع قوات الجيش النظامي في معارك عسكرية بمناطق مختلفة سواء في إدلب أو السويداء؛ ما تحتاجه دمشق ويدركه تماما مفاوضي مسد؛ هي التغذية الإقتصادية لدمشق وهم الأدرى بحاجتها لذلك لما تمثله من حاجة ماسة لإعادة ضخ أنابيب النفط والغاز صوب حمص و طرطوس؛ فضلا عن إعادة السيطرة الشكلية على الرقة وعموم أراضي دير الزور والحسكة.

 

هذه أكبر الهواجس التي تعيق تقدم مفاوضات مسد مع دمشق؛ ولكن هذه البادرة المفاجئة قد تكون خطوة إختبار أيضاً للجانب الروسي وشكل تعاونه ودعمه سواء لهذه المفاوضات أو دعمه المباشر لأكراد سوريا؛ فضلاً عن أنها رسالة واضحة تنم عن نفاذ صبر الأكراد إزاء إبعادهم المستمر من المفاوضات السياسية حول سوريا؛ ابتداءً من جنيف ومروراً بأستانا وانتهاء بتشكيل اللجنة الدستورية.

 

  • مالك الحافظ- كاتب صحفي و باحث سياسي سوري
وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك