“هنا سورية”: النظام.. بلا تمويله؟

وليد بركسية | المدن

هنا سورية، ليست الكلمات ذاتها التي يطلقها ناشطون ومغتربون سوريون في أصقاع الأرض، عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع كل انقطاع شامل في التواصل مع وطنهم الأم، بل هو اسم المجموعة الإعلامية الجديدة التي بدأت مؤخراً نشاطها الإعلامي من دمشق، بشكل أول تلفزيون “أونلاين” في البلاد، إلى جانب بث إذاعي رقمي وموقع إلكتروني إخباري.

ظهرت الفكرة كما يوضح مدير المجموعة ورئيس تحريرها، محمد شعبان، في حديثه لـ”المدن”، من جدوى البث الرقمي نفسه في الوصول إلى شرائح واسعة حول العالم، بهدف “عكس وجهة نظر الشارع السوري”، إذ تطرح “هنا سورية”، حسب رأيه، المحتوى الإعلامي المتعلق بكافة الأحداث المتعلقة بالشأن السوري سياسياً وميدانياً، وتتوجه إلى “كافة الناطقين بالعربية والانجليزية على مختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم”، وبشكل خاص إلى “المغتربين السوريين الحريصين على متابعة كافة التطورات والمستجدات في بلدهم”. ويتقاطع ذلك مع الصعوبات التقنية في الداخل السوري نتيجة دمار جزء كبير من البنية التحتية في مجال الاتصالات والطاقة.

تتمتع المجموعة بذاتية عالية، فلا تتبع إلى أي جهة سياسية أو دينية أو رسمية، كما يقول القائمون عليها. يأتي تمويلها من الأعضاء المساهمين فيها ومن الإعلاميين المؤسسين لها، ويكشف شعبان رفض المجموعة لعروض تمويل سخية من مصادر مختلفة (فضل عدم الكشف عن هويتها) للحفاظ على موضوعية خطاب المجموعة الإعلامي، مع اتجاه عام نحو الإعلانات قريباً.

تميل المجموعة في عملها بشكل واضح إلى النظام، حيث يظهر ذلك جلياً في النشرات الإخبارية اليومية عبر التلفزيون والمواد التي يبثها الموقع، والتي تبدو نسخة لأخبار الثامنة والنصف على الفضائية السورية، باللغة ذاتها والمفردات ونوعية المعلومات: انتصارات الجيش السوري والهجمات الإرهابية الجديدة، هجوم على التيارات التكفيرية وبعض الهموم الاقتصادية اليومية، ثم خلطة الأخبار الدولية اللازمة لتغيير الأجواء في النهاية والتي تبدأ من طهران وتنتهي بمهاجمة بقايا الأخوان في القاهرة، مع تقارير لمراسلي المحطة المنتشرين في المحافظات والناشطين المتطوعين على حد سواء بما يشابه صحافة المواطن.

لا يخفي شعبان ذلك التوجه العام، لكنه يتحفظ على الحديث عنه قليلاً لعدم رغبته في خوض أي سجالات مع تيارات الموالاة والمعارضة على اختلافها، مكتفياً بالقول أن مجموعته “تقدم الحقيقة من دون زيادة أو نقصان بالامكانيات المتاحة ومن قلب سورية” مع ترحيبه “بالآراء السورية التي تنظر إلى سورية من باب المصلحة الوطنية بعيداً من الخارج” من منطلق الإيمان بالوطن السوري على اختلاف طوائفه وأعراقه، على حد تعبيره. 

رغم ذلك الكلام البراق، تشن المحطة هجوماً لاذعاً على شخصيات المعارضة، حتى لو كانت تلك الشخصيات مصنفة تحت بند المعارضة الداخلية الوطنية أو أقرب للنظام من غيرها، ومنها الهجوم الساخر اللاذع في تقرير إخباري، على نائب رئيس الوزراء السوري السابق للشؤون الاقتصادية في حكومة الأسد قدري جميل بعد عزله من منصبه قبل أيام على خلفية “نشاطه السياسي في الخارج”، بحيث بات صديق الأمس هدفاً لسخرية عبثية شخصانية أكثر من كونها عميقة أو موضوعية.

يعتمد البث التلفزيوني على طاقم عمل شاب، محاولة من المجموعة ربما للوصول إلى شريحة الشباب المهيمنة على استخدام الإنترنت عموماً، ويستكمل ذلك بالملابس “الكاجوال” في نشرات الأخبار حيث لا وجود لربطات العنق والياقات المنشاة، لكن ذلك يصطدم بجمود النص المقروء وعدم جودة الصورة أحياناً مع اختلاف دقة البث مع دقة مصادر الفيديو، إضافة للأخطاء الكثيرة والمتكررة على صعيد اللغة العربية (تحريراً وقراءة). 

لا جديد على الإطلاق في إعلام يفترض أن يكون جديداً، فتلفزيون “هنا سورية” ما زال يخطو ببطء متعثراً ببثه التجريبي، فيكتفي بنقل البرامج المعتادة على الشاشات العربية من بيئتها التقليدية إلى صفحات الإنترنت لا أكثر، خدمة غير مفيدة حقاً في زمن هيمنة اليوتيوب على مقاطع الفيديو العالمية، كما لا يبدو واضحاً على الإطلاق لم سيتجه المشاهد نحو “هنا سورية” إن كانت تقدم أفلام الكرتون والمسلسلات والأفلام السينمائية والبرامج الوثائقية والمنوعات ذاتها التي تبثها فضائيات “النايل سات” التي تناهز ألف محطة وبجودة أفضل ربما. 

الصبغة الترفيهية العامة وكثافة مواد المنوعات تلاحظ في راديو المجموعة أيضاً، حيث يتجه نحو بث الأغاني بكثافة على غرار إذاعات FM التقليدية، ويلاحظ ذلك بدرجة أقل في الموقع الإخباري بوجود طفيف للمواد المنوعة والرياضة لإضفاء مزيد من الحيوية أو جذب مزيد من الجمهور ربما.

تنشط المجموعة أيضاَ بشكل واضح على شبكات التواصل الاجتماعي وتحديداً “فايسبوك”، “تويتر” و”غوغل بلس”، كما توفر أرشيفاً لنشراتها الإخبارية وتقاريرها المصورة وموادها الحصرية في كل من موقعها وقناتها على “يوتيوب”، لكن الجدوى من ذلك كله لا تبدو واضحة مع قلة متابعتها عموماً (14.702 متابعاً عبر فايسبوك حتى اللحظة)، كما يأتي معظم جمهورها (80%) من الداخل السوري بعكس توجه القناة الأساسي مثلما توضح إحصائيات موقع “أليكسا” العالمي.

التجربة الأولى للبث التلفزيوني عبر الإنترنت تبدو مخيبة للآمال نوعاً ما، لكنها قد تكون فاتحة خير أمام تجارب أخرى بمهنية وحرفية أعلى في المستقبل القريب، كما تبدي “هنا سورية” نفسها أفقاً لا بأس به للتطور، مع شبكة برامج جديدة خاصة بها يتم التحضير لإطلاقها مطلع العام المقبل. 

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك