وداعاً سوريا التي عرفناها

عمر قدور | المدن

بصرف النظر عمّا ستؤول إليه تحضيرات مؤتمر “جنيف” من حيث هيكلية وفد المعارضة أو وفد النظام، وبصرف النظر عن موعد انعقاد المؤتمر العتيد، فإن الإعداد له لا يبدو آخذا في الحسبان تطورات الأوضاع على الأرض. اختزال ما حدث في سوريا خلال أكثر من سنتين ونصف بالجوانب الإنسانية أو الأمنية، وحتى بالتغيير السياسي الذي تريده المعارضة، قد لا يكون كافياً لإيفاء التغيرات حقها، ما لم تلحظ الأطراف المحلية والدولية انقضاء عهد كامل من التجربة السورية في الحكم، وضرورة الانفتاح على رؤية جديدة تحفظ للمجتمع السوري استقراره وتعايشه الحقيقي خارج الادّعاءات المزيّفة أو الشعارات الفضفاضة.

القول بنقل السلطة، على ضرورته القصوى، هو أشبه بالقول بالتغيير من فوق فقط، لأن التصورات المطروحة حتى الآن لا ترى في ما حدث سوى حركة احتجاج ظرفية تزول أعراضها السلبية بمجرد تلبية مطالبها. لم تطرح المعارضة تصوراً “ثورياً” عن سوريا المستقبل، وفي أغلب الأحيان تحاشت تنظيمات المعارضة أية مغامرة من هذا القبيل، باستثناء التنظيمات الكردية التي تملك تاريخاً سياسياً خاصاً، ومن المعلوم أن تصورات هذه الأخيرة لا تلاقي حواراً جاداً في أوساط نظيرتها العربية.
من المرجح أن يكون صادماً لكثير من السوريين القول بأن العودة إلى ما سبق شبه مستحيلة، وفي حال تم إكراه السوريين على ذلك فلن تكون النتيجة سوى تأجيل الأزمات مع تفاقمها تحت الرماد. ثم إن حنين قسم من السوريين إلى ذلك المتخيَّل عن السابق يصطدم بواقع أن الثورة قامت على الضد مما سبق، فهم لم يكونوا راضين وإلا لما قامت الثورة. لا يخرج عن هذا السياق الشكل العفوي الأول لانتفاضتهم، ومن ثم التطورات اللاحقة المؤلمة جداً في جانب منها. فالسوريون استكشفوا مجاهيل عن ذواتهم لم تكن حاضرة من قبل، وبعضها لم يكن في إطار الوعي الخاص أو المعمم، ما جعل مجريات الثورة تتشعب جداً، وتنحرف عما يُعدّ مطالبها الأساسية، مع التركيز الشديد على تعبير “الانحراف” إذ من يجزم بأن قسماً من “الانحرافات” ليس في الحقيقة سوى تعبير عن متطلبات المجتمع السوري؟
على غرار الجوارَيْن العراقي واللبناني قد يرى كثيرون وعورة الوضع السوري في التعدد الطائفي والإثني؛ هذا عامل مهم بلا شك، وقد ظهرت تأثيراته منذ بدء الثورة، فلا يغيب عن البال أن الانقسام السوري طائفي وإثني في جانب منه. سيكون من باب الاستسهال حل هذه المشكلة على طريقة طمأنة الأقليات كما تطالب بذلك قوى دولية، أو كما تتطوع للإعلان عنه تنظيمات معارضة. وبالتأكيد إنّ الأسوأ هو تجاهل الحلول الحقيقية كما يعمد إلى ذلك النظام حتى وهو يطرح نفسه حامياً للأقليات، تشاطره في تجاهله قوى معارضة تحت إيديولوجيات تم اختبارها تحت حكم البعث نفسه.
غير أن مجريات الثورة لم تكن أيضاً بعيدة عن الانقسام المناطقي، حتى بدا أن سوريا قابلة للتفكك أو للصوملة، وهما الأمران اللذان يوضعان كتحذير شديد أمام السوريين. أيضاً من الاستسهال رؤية التفكك كنتاج ظرفي للحرب الحالية، أو لظاهرة أمراء الحرب، أي ربط النتيجة تلقائياً بزوال أسبابها الطارئة. الإحساس بالتهميش الذي تعانيه غالبية المناطق السورية راسخ أكثر مما يجري تصويره، وقد أدت المركزية الشديدة للسلطة الحالية، مشفوعة بالفساد الضخم، إلى تعزيز الشعور بالغربة عن الدولة الغائبة بالمفهوم الخدمي وبمفهوم التوزيع المتكافئ والعادل للثروة. ذلك أدى إلى عداء مع فكرة المركزية نفسها، ولا تفسّر الضغوط الأمنية الشديدة وحدها عدم وجود تنظيمات مركزية كبرى في الثورة نفسها، لا على الصعيد العسكري ولا على الصعيد السياسي، إذ من المتوقع وجود كتل كبيرة من القوى المناطقية، وحتى من العصبيات، الراغبة في التعبير عن ذاتها مباشرة ومن دون مشروع سياسي متكامل أو وطني.
بدورها، تنطلق التحذيرات من تقسيم سوريا من تجنب التغيير، فأصحابها يتجنبون المخاطرة الفكرية والبحث عن احتمالات وحلول لا تصل بالضرورة إلى التقسيم، وفي الوقت نفسه تتجاوز الحل المركزي التقليدي. القوى صاحبة التحذيرات تستبطن ضمناً وصول تجربة السلطة الحالية إلى أفق مسدود، وتستبطن خصوصاً عدم القبول العام بهذا النوع من هيكلية السلطة، ومع ذلك “تكابر” على الواقع وتتعالى عليه لتصوغ مخاوفها على هيئة التحذير، أو الوعيد كما يفعل النظام.
في كل الأحوال، سيكون من العسير على الكثيرين القول “وداعاً لسوريا” التي عرفوها، والقبول بأنها كانت قائمة خلال الشطر الأعظم من وجودها المعاصر على حكم الاستبداد البعثي، لا على الإرادة الديمقراطية الحرة لجميع أبنائها ومكوناتها. ذلك لا يعني انتفاء إرادة العيش المشترك، فالمحك الأساسي هو إعطاء الفرصة الحقيقية للسوريين كي يتدبّروا مقدار ما يروه مشتركاً في ما بينهم، وأيضاً مقدار ما يتنازلون عنه طوعاً لسلطة يختارونها بأنفسهم. إن تغيراً جوهرياً بهذا الحجم يتطلب جرأة فكرية كبيرة، وقد يتطلب سنوات من المكابدة، وقبل ذلك يتطلب تنحية العديد من القوى المعيقة له.
وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك