التهمة هوية

جمانة معروف | المدن

لهوية هي بطاقة التعريف الخاصة التي تثبت المواطنة او انتماء الفرد الى وطن ما. لكن هذا التعريف قد لا يصلح في سوريا حالياً. أولاً لأن السوريين ومنذ أن قابل النظام احتجاجاتهم السلمية بحله الأمني العنيف، اكتشفوا أنهم لم يكونوا يوماً مواطنين بل مجرد رعايا، بل أكثر من ذلك أن التعاطي اليومي مع الحواجز المختلفة يظهر بما لا يقبل الشك أن بطاقة الهوية تحولت الى بطاقة ادانة او أحياناً الى شهادة براءة.
 
كل يوم يقتل ويعتقل ويختطف ويهان ويجوع المئات بسبب المعلومات المسجلة على بطاقاتهم الشخصية. ويعاقب الكثيرون أيضاً بكسر هوياتهم من قبل جنود الحواجز لأتفه الأسباب. والعقوبة الأخيرة، كبيرة جداً إذا ما علمنا مدى صعوبة الحصول على بطاقة هوية جديدة في ظل الظروف الأمنية للمناطق.
 
على خط مواصلات جديدة عرطوز – البرامكة، في دمشق، يتفحص الجندي بطاقات الركّاب واحدة تلو الاخرى فيلاحظ صورة شابة جميلة، يقلبها باهتمام ثم يرفع صوته وكأنه عثر على مبتغاه، مين سمر؟
 
ترفع الصبية العشرينية سبابتها مثل تلميذة صغيرة وبالكاد تخرج من فمها كلمة “أنا”.. فلا يسمعها الجندي الذي يصرّ على الصراخ.
انتي من وين؟ ترتجف الفتاة ويتحول بياض وجهها الى اصفرار وتتوقف الحروف عند حنجرتها، فيصرخ ثانية : انتي من “حُرّه”؟… وكمان بدك حرية.
 
يقولها كأنه يقذف اتهاماً في وجهها. يتوقف تنفس الفتاة من الخوف وتحاول أن تشدّ الحروف للخروج من بين شفتيها وتفشل، وتبقى سبابتها مرفوعة أمام وجهها حتى بعد ان يقفل الجندي الباب ويطرق على حائط السرفيس لكي يمرّ.
 
الفتاة بالصدفة من قرية تسمى “حَرّة” وهي قرية تابعة لمحافظة القنيطرة. لم يعرف من أطلق هذا الاسم على القرية أن هناك صبية سوف تصاب بـ”فوبيا الهوية” بسببها وربما سوف تحرمها من الخروج من المنزل.
 
سكان قدسيا، غرب دمشق، أصيبوا أيضاً بـهذه الفوبيا. منذ ان حوصرت المدينة قبل شهر ومنعت السيارات من الدخول والخروج منها، ومنع أيضاً دخول الخبز والخضار والطحين امتداداً لسياسة العقوبات الجماعية التي يمارسها النظام، أصبح السكان يمشون على اقدامهم من دمر البلد الى قدسيا، بعد ان يعبروا حاجزين للشبيحة هما حاجز الصفصاف وحاجز النازحين عند المنصورة.
 
عند حاجز “المنصورة” قريباً من مدخل بلدة قدسيا، يتوقف رجلان. كلاهما متعب وكلاهما يحمل ربطة خبز. يبرز الرجلان هويتهما للجندي. ينظر الجندي الى هوية الأول ويعيدها اليه ويقول “امشي”. وعندما يأتي دور الثاني يأخذ منه ما يحمله ويقول له “امشي”. يتوسل الرجل الجندي لكي يعطيه ربطة الخبز، لكن الجندي  يرميها على تلة الخبز المصادر بجوار “الدُشم”.
 
الرجلان من سكان قدسيا، لكن الأول كان محظوظاً لان اسم قدسيا سجل فقط في خانة العنوان، أما الآخر فقد كان اسم قدسيا أيضا أمام محل القيد، وهذا يعني أنه من السكان الأصليين.
 
رهائن الهوية لم يقتصروا على السوريين. الفلسطينيون دخلوا تلك اللعبة أيضاً، ويرتبط زمن دخولهم فيها مع دخول الجيش الحر إلى مخيم اليرموك في دمشق وانضمام الكثيرين من الشبان الفلسطينيين إلى صفوفه.
 
على حاجز قاسيون، عند أول دمر البلد وعلى بعد أمتار من نصب الجندي المجهول، سأل الجندي سائق سيارة أجرة سؤال المتيقن من الاجابة “إنت فلسطيني”؟ ثم شتمه. صمت السائق ولم يجب.
 
تنفس الرجل مثل جبل بينما كان الجندي يرفع الهوية في وجهه مطالباً بجواب. لم تجبني، قال الجندي، بعدها ضحك وكأنه قال للتو نكتة، وأعاد الهوية إلى السائق دون أن ينظر في وجهه أو يطلب هوية من في السيارة، ثم طرق بكفه على سقف السيارة: إمشي.
 
أهل درعا مدانون حتى يثبت ولاؤهم. تلك هي القاعدة التي تعامل معها النظام السوري بداية الثورة مع أهالي درعا، لكن تلك القاعدة لم تتوقف عليهم. كلام الجندي مع سائق سيارة الأجرة كان نابعاً من قاعدة أن كل الفلسطينيين هم اليوم “أعداء”، أو هم القاعدة التي يحاربها النظام في مخيم اليرموك، لا يترك للسائق أي خيارات أخرى، كأن يكون مثلاً هارباً بأسرته من مخيم اليرموك إلى قدسيا خوفاً من الجيش الحر.
وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك