قذائف بعيدة المدى لسوريا وأطفالها

إيمان أحمد ونوس | الحوار المتمدن
منذ أكثر من عامين ونصف العام أحدثت الأزمة السورية شروخاً عميقة في بنية ونسيج المجتمع السوري بكل مكوناته وعلى مختلف الأصعدة والاتجاهات لن تتلاشى أو تزول آثارها إلاّ بعد عقود من الزمن غالباً ما سيكون خلالها المجتمع ميّالاً للعنف، إضافة إلى تفشي العديد من الأمراض النفسية التي سيكون أقلّها الاكتئاب لدى شرائح واسعة، لاسيما في صفوف الأطفال والشباب باعتبارهم الحلقة الأضعف من حيث البنيان العمري والتكوين النفسي الذي يكون هشاً في تلك المرحلة العمرية الحساسة التي لم تعزز لديهم بعد تجربة كافية تخوّلهم تخطي بعض المخاوف والهلع الذي يعيشونه جرّاء كل ما يجري على الأرض من اقتتال وخطف وتعذيب وموت ودمار ونزوح وتشرد. ليحُلّ مؤخراً شلل الأطفال الذي سيشُلّ معه مستقبل سوريا باعتبار هؤلاء الأطفال هم مستقبلها وعماد مجتمعها بعد أن تخلّصنا من هذا المرض منذ أكثر من عقدين من الزمن، وربما مازلنا في انتظار انتشار العديد من الأمراض السارية بسبب نقص اللقاحات الخاصة بالأطفال من جهة، وصعوبة الوصول إليهم من جهة أخرى، وأحياناً بسبب جهل الأهل الذين يتخذون مواقف غير حكيمة تضر بأطفالهم قبل أي أحد، إذ رفضت إحدى الأمهات إعطاء أطفالها لقاح الشلل لأنه من الحكومة باعتبارها من المعارضة، وطبعاً لا تقتصر الآثار بعيدة المدى على الطفل المشلول أو أسرته، بل ستتخطاهما إلى الدولة والمجتمع الذي ستكون لديه نسبة عالية من الإعاقات ستحتاج إلى موارد مالية وتخصصية كبيرة من أجل النهوض بأولئك المعوقين الذين سيكونون عبئاً ثقيلاً يعرقل مشاريع التنمية الاجتماعية والوطنية مستقبلاً.
وإذا ما ذهبنا في اتجاه آخر بات الشغل الشاغل للأهل والمختصين والحكومة ألا وهو تلك القذائف التي تهطل يومياً لاسيما في الفترة الأخيرة على شوارع وأحياء دمشق والمناطق القريبة منها، خاصة مدينة جرمانا التي صارت مهبطاً يومياً لعشرات القذائف التي تحط رحال بعضها على مدارس الأطفال مما خلّف حالة من الهلع والرعب اليومي لدى الأطفال وأهلهم ما أدى إلى رفض العديد منهم إرسال أولادهم إلى المدارس، ومنعهم من الخروج حتى إلى الشرفات، وهذا ما سيقودنا إلى مجتمع خائف وجل ستُشل معظم إمكاناته وقدراته بحكم افتقاده للأمن والأمان اللذين يحتاجهما كل مواطن في بلده، وهذا ما سيأخذنا مستقبلاً إلى مجتمع تسوده حالات نفسية مختلفة على النحو التالي:
1- اتخاذ موقف سلبي من المدرسة والتعليم بحكم تفكير الطفل البسيط من أن المدرسة هي السبب في موت الأصدقاء والمدرسين جرّاء سقوط القذائف، وبالتالي ارتفاع نسب التسرّب المدرسي أو الأمية في صفوف جيل كامل من أولئك الأطفال.
2- بالمقابل نجد أن هناك حالة من الاعتياد وعدم الخوف من تلك القذائف والذي عبّر عنه عدد من الأطفال في لقاء تلفزيوني- وإن كانت تعبّر في لحظتها عن صمود وحيوية- إلاّ أنها ستؤدي لاحقاً إلى تبلّد المشاعر والأحاسيس التي تلاشت جرّاء التكرار، وبالتالي نحن مستقبلاً أمام شريحة غير معنية كثيراً بفظاعة ما يجري ولا بألم الآخرين، وهنا قمة المأساة والخسارة العامة والخاصة.
3- أبناء يفتقدون الأمن والأمان ما يجعلهم مقيدي الحركة والعطاء بشكل طبيعي، وبالتالي وجود شريحة كبيرة معطّلة ومحطّمة ستصبح عالة على محيطها والمجتمع.
4- خلق حالة من العزلة الاجتماعية بحكم محاولة الاحتماء بالمنزل، وهذا سيقود إلى تجفيف منابع التواصل الاجتماعي والتعاطف الإنساني اللذين يحتاجهما الناس في الظروف الصعبة.
5- تفشي الحالة العنفية في المجتمع من خلال أولئك الأبناء الذين عايشوا كل ذلك الكم من العنف الموجه مباشرة إليهم عبر تلك القذائف التي قتلت الأخ أو الصديق أو المدرسين مما يدفعهم مستقبلاً لممارسة عنف مضاد تجاه المحيط الأسري والاجتماعي، وبذلك نكون في مواجهة عنف رهيب سيحتاج إلى زمن طويل وإمكانات وموارد مادية وبشرية كبيرة لاجتثاثه.
6- فقدان الثقة بالأهل والمسؤولين عن توفير الأمن والحماية الاجتماعية، ما سيؤدي مستقبلاً إلى زعزعة الثقة وربما تلاشيها تجاه الأسرة والدولة والمجتمع، وهنا نصبح أمام مواطنين مهزومين مخذولين لا يمكنهم الوثوق لا بالقوانين ولا بالدساتير والتشريعات المعنية بحمايتهم، وبالتالي أناس فقدوا الإحساس بالمواطنة وحقوقها وواجباتها.
7- ارتفاع نسبة الاكتئاب الموجود أصلاً بحكم الظروف القائمة، ومعلوم تماماً أن مرض الاكتئاب يؤدي إلى خفض نسب الإنتاج والعطاء على المستوى الشخصي والعام، إضافة إلى تكاليف العلاج المديد والمرتفع والذي سيرهق الأسرة والدولة، وسيعيق تحقيق وتنفيذ مشاريع التنمية الحكومية بشكل لافت مما يؤدي إلى تخلّف الفرد والمجتمع.
أمام كل ما استعرضنا نجد أنه لزاماً على الأهل أولاً أن يكونوا على قدر كبير من المسؤولية في تعاطيهم مع تلك الحالة الرهيبة ولا شك، كي يتمكنوا من تخفيف حدّة الآثار الكارثية التي من الممكن أن تخلّفها تلك القذائف في شخصية الأبناء في حال أظهروا خوفاً وهلعاً كبيرين أمامهم، أو منعوهم من الخروج سواء إلى المدرسة أو إلى الشارع، وبعد ذلك عليهم محاولة إفهام الطفل أن المدرسة لا علاقة لها بسقوط القذائف، بمعنى إخراج الطفل من دوامة التفكير بأن الذهاب إلى المدرسة هو السبب في تلك القذائف وموت الأصدقاء والمدرسين، بل عليهم اصطحاب أطفالهم لزيارة الأطفال والمدرسين الجرحى، أو من تضرر من الجيران، من أجل تعزيز مشاعر التعاطف الإنساني والاجتماعي لدى الطفل السليم والمصاب على حدّ سواء. وفوق كل هذا على الأهل تعزيز مفهوم الحالة المؤقتة لهذا الوضع الذي نعرف جميعاً انه قد يستمر لسنوات، لكن من أجل محاولة الإقلال من حجم المعاناة النفسية لأطفالنا. وقبل كل هذا على الأهل الذين نراهم يومياً يصطحبون أولادهم إلى ومن المدارس ظهراً أن يتخلوا عن هذا التصرف، لأنه وبحسب بعض المدرسين ومدراء المدارس يعيق حركة الطلاب وخروجهم من مدارسهم، إضافة إلى أنه يخلق حالة من الإرباك في حال وقوع القذائف ما يؤدي إلى حالة من الهلع تجعل بعض الأهل يحملون أطفالاً غير أطفالهم أو يتوه الطفل وهو يبحث عن أهله، كما أنه قد يؤدي إلى وقوع ضحايا من أهالي الطلاب، وهو ما يخلق لدى الطفل وضع نفسي سيء ربما يدوم في حال مشاهدته لأحد أفراد أسرته وهو مصاب أو ميت، وهذا ما حدث في إحدى مدارس جرمانا للأسف إذ استشهد والد أحد الأطفال أمام عينيه.
أما على صعيد إدارة المدرسة وكادرها التعليمي والتربوي فيقع العبء الأكبر من خلال التحلي بالهدوء والصبر أثناء وقوع القذائف، ومحاولة ضبط الطلاب بإدخالهم إلى الصفوف دون فوضى أو عصبية وإحاطتهم بالحب والطمأنينة. يأتي لاحقاً تخصيص حصّة درسية يشرح فيها المدرسون والأخصائيون والمرشدون النفسيون الوضع للطلاب بهدوء بعيداً عن حالة الاستنفار والتشنج، إضافة إلى تخصيص وقت كافٍ من قبل الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين المتواجدين في المدارس من أجل التعامل مع الحالات الشديدة التي من الممكن أن تظهر لد بعض أو كل الطلاب، وهذا باعتقادي أهمّ بكثير من بعض المواد الدرسية في المرحلة الراهنة من أجل تجاوز بعض ما يمكن أن تخلّفه تلك الحالة اليومية في حياة الطلاب، وكذلك عقد اجتماع مخصص مع أهالي الطلاب لشرح كيفية تعاملهم مع أطفالهم في البيت ربما نستطيع من خلال ذلك التقليل ما أمكن من الآثار النفسية المتوقعة على الأطفال والطلاب عامةً.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك