النازحون السوريون نشّفوا البحر ببيروت !

فادي الداهوك

لحظة، اطمئنوا. لا تكونوا مجانين وتصدقوا هذا العنوان. هو مجرد تخيّل تقديري لتصاعد حجم اتهام النازحين السوريين في لبنان إن لم تحصل معجزة وتنقذهم. ذلك لأن بعض الأصوات الرسمية والأهلية اللبنانية لا تتوقف عن اتهام السوريين بأشياء لا تعد ولا تحصى. تارة أنهم سبب انقطاع الكهرباء في لبنان، وتارة أخرى أنهم سبب البطالة، أيضاً، هم السبب في الازدحام المروري لأنهم يشربون الليموناضة في الشوارع، وأبعد من ذلك أنهم سبب ارتفاع نسبة الجريمة في لبنان، في ما يظهر أن الاتهام أصبح طقساً، لدى السياسيين والفنانين، وحتى سائقي سيارات الأجرة.

ليس جائزاً الاستمرار بالحديث عن تجربة النزوح اللبنانية إلى سوريا أيام حرب تموز، للحرص أولاً على عدم الاعتقاد أن ذلك كان “ضرب منيّة” أكثر مما كان ضرباً من الأخلاق والطيبة والإنسانية من شعب خذله الجميع.

الحديث عن العنصرية يبدأ من نقطة المصنع الحدودية، نقطة الانسلاخ السوري عن إجرام وإهانات النظام، إلى تصادم جديد مع لغة الإهانات والمفردات نفسها لكن بلهجة لبنانية.

لا يمكن تبرير ما يحصل على الحدود في الجانب اللبناني من إهانات يتلقاها أطباء ومهندسون وعمال فاعل وفقراء جمعتهم الحرب على حدٍ سواء، لأن الشرطي منزعج من أعدادهم الكبيرة. هناك حالة من الهدوء كانت تسود حين يتلقى أحد السوريين شتيمة باللهجة اللبنانية طبقاً لروايات عابرين من تحت رذاذ بصاق الشتائم على الحدود.

تلك الحالة من الصمت، تشبه كثيراً ما كان سائداً قبل الثّورة في سوريا، عندما كان يتكلم أي شخص من أي منطقة باللهجة الساحلية. كانت اللهجة الساحلية كافية لإيصال رسالة مفادها أن المتكلم قادرٌ على الأذية، وهذا ما يحصل في لبنان، المفردات المستخدمة في التهديد والشتائم توحي للسوريين بأن من يقولها على صلة مع جهات لبنانية تناصر النظام، والصمت هنا واجب لسرب خرج من تحت القصف بما عليه من ثياب فقط بحثاً عن السلامة.

ماذا عن الحواجز التي لا تفتّش إلا السوريين، ماذا عن صفّهم كقطيع عند كنيسة مارمخايل، وماذا عن سؤال سائق التاكسي الدائم “إنتو سوريين ؟”، ماذا عن الوزير الذي يتّهم النازحين بحصول أزمة كهرباء وهو نفسه يشتري الكهرباء مثله مثل أي مواطن مثل رئيس الدولة نفسها مثل النازح الذي يدفع ثمنها سلفاً.

قوائم المتهمين بارتكاب التفجيرات في لبنان، أصبحت تحمل دائماً أسماءَ لسوريين. أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابات حول تلك الأسماء، هل وجّه الاتهام لهم لأن النظام رماهم ولن تطالب بهم سفارة بلادهم التي تعتقلهم حتى في نزوحهم وتذلّهم وتشبّح عليهم وتفعل كلّ شيء إلا حمايتهم، أم أن المسألة تقصير يمكن تغطيته باتهام أي سوري؟

السوريون أرباب كرامة، وأهل ثورة قامت على الظلم والقهر، والموت أسهل عليهم من العوز أو الإهانة التي كانت سبباً في انفجارهم بوجه النظام.
فعلها محمد ملسي مطلع هذا العام وانتحر في لبنان. انتحر لأنه لم يستطع تأمين عمل كريم يحصل من خلاله على ما يسد رمق بناته الأربع وزوجته. أسبابه ربما تتشابه مع أسباب كثيرين، تبدأ من بناء أو كراج لسيارة أو مستودع حوله صاحبه إلى ما يشبه المنزل لأن محمد أو سورياً آخر سيسكنه مقابل 300 دولار تُرفع بعد ستة أشهر 50 أو مائة دولار.

لن يذكر عمّال الفاعل من السوريين بعد اليوم المصوّر الذي كان يلتقط لهم صورة فورية على الروشة، ولن يذكر المثقفون منهم اسم ابن لميا في رواية أمين معلوف. لن يذكروا يوسف بزي أو الياس خوري أو حازم صاغية وحازم الأمين، سيذكرون العبارة المكتوبة على جدار في السوديكو “إلى كل حقير سوري.. إرحل”، فقط، ولن يذكروا أن لبنانيين مسحوا كلمة “سوري” وكتبوا بدلاً منها “عنصري”، لأنهم من “الكل الحقير”.

سيذكرون اللافتات التي تغزو مستوى نظرهم وتخبرهم بأنهم ممنوعون من التجول بعد التاسعة مساءً أكثر من تذكرهم أن عاليه لم ترفع مثلها، سيذكرون ذلك كلهم، أغنياء وفقراء، مؤيدين ومعارضين، فهم متساوون جميعاً أمام طقسٍ من العنصرية.

سيذكرون جيداً أنهم لم يستطيعوا يوماً رفع عيونهم عن صور شهداء الواجب في الضاحية الجنوبية وعن صور حافظ الأسد والولد الرئيس التي سقطت في سوريا ولم تسقط من على مدخل الضاحية عند السفارة الكويتية.

أمرٌ وحيد جيّد حصل قبل يومين. أن السوريين الذين يحبون شرب الليموناضة في شوارع بيروت لم يشاهدوا حلقة “مع رابعة” هذا الأسبوع، لأنهم ناموا قبل بدء الحلقة، بعد 12 ساعة من العمل.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك