مأزق (داعش) وحروبها القادمة!

إياد عيسى | أورينت نت

يبدو أن (داعش) ليست على ما يرام، سعيها لتحسين صورتها في نظر السوريين يشير إلى ذلك وليس العكس، تقديمها للخدمات الإغاثية والصحية والنقدية في مدينة الأتارب بريف حلب، تعهدها بإعانة أسر الشهداء والمصابين بعاهات دائمة، اهتمامها بالمدارس، حرصها المفاجىء على تلقي الفتيات للتعليم، إنما يدلل على اعتمادها تكتيكات طارئة بهدف تجاوز مأزق حقيقي عبر تحسين صورتها، واستمالة قلوب وعقول السوريين.

صفع أيمن الظواهري أبي بكر البغدادي بقوة، حل دولة العراق والشام الإسلامية، حصر ولايتها في العراق، أعلن دعمه لأبي محمد الجولاني، أطلق يد النصرة في سوريا، ثبته أميراً عليها لمدة عام.

ذهب البغدادي بعيداً في رده على زعيم القاعدة، تحداه بإراقة الدماء حفاظاً على (داعشه)، وصل حد نقض البيعة التي في رقبته للظواهري بمواربة أقرب للعلانية، هذا أمر خطير في عرف التنظيمات الإسلامية المتطرفة يشبه الردة، لا يمكن تجاهلها أو التفاوض عليها.

نقض البيعة، له عواقب لا يستهان بها، لن يطول صمت الظواهري حيالها، البغدادي يُخمن التبعات، يستبقها على لسان الناطق باسم (داعش) أبي محمد العدناني، يختار الأخير مواقع الانترنيت الجهادية لإطلالته الصوتية، يدعو التنظيمات الإسلامية للإنضمام إلى دولة العراق والشام الإسلامية، يتهم إعلام الأعداء بالافتراء على (الدولة) وتشويه سمعتها.

يتحسب البغدادي من فتوى (قاعدية) مُحتملة تعزله من منصبه، تُفرق أنصاره انشقاقاً بإتجاه النصرة أو عودة إلى العراق، يتحوط من القادم بتعزيز سيطرته سريعاً على الأرض، يختار بعناية مناطقه، آخرها الاستيلاء على بلدة (أطما) قرب الحدود مع تركيا، يحتاج إلى معابر للمقاتلين والسلاح، لا يأبه بمخاطر قصف تركي غير مُستبعد لحواجزه، الخلاف مع الجولاني ومن خلفه الظواهري تُقلص خياراته.

لم تكن الأزمة بين الطرفين مًستجدة بل لها خلفياتها، للبغدادي أهداف تتجاوز المنطقة، طموحات (دولته) التي بدأت بالعراق، عابرة للحدود بكل الإتجاهات، مؤخراً كشفت المخابرات المصرية عن محاولته الاتصال بجهاديي مصر، يعرض عليهم المال مقابل الولاء، يتجاهل أنه يلعب في عقر دار الظواهري ذاته، قبلها رفض جهاديو اليمن إغراءات تحويل الولاء، ظلوا على بيعتهم للرجل الأول.

من الصعب على الظواهري أن ينسى التجربة المريرة مع قادة فرع القاعدة في العراق، دموية تفوق أي خيال، لا تفرق بين عسكري ومدني، أو حزبي وحيادي، أو بين شيعي وسني، حياة الجميع مستباحة، زرعوا الموت على كامل تراب العراق، لم يحصدوا سوى الفشل، انقلب المتعاطفون معهم إلى أعداء، خرجوا عليهم بسلاح (الصحوات)، خوف الظواهري من تكرار التجربة في سوريا أطلق لسانه خلف البغدادي متوعداً (كل من يخوض في دماء المسلمين ستقف منه الجماعة موقفاً شديداَ).

كان أسامة بن لادن بشحمه ولحمه حذر أبي مصعب الزرقاوي من عواقب تطرفه، هالته مغالاته!!. لم يكترث الرجل للنصيحة، تجاهلها عن جهل أو عمد.

أدرك الشيخان بن لادن والظواهري بعد غزو أفغانستان أن سلطتيهما تبدلت من مادية إلى معنوية، أكتفيا بالتوجيه عن بعد بدلاً من التحكم عن قرب، تجنبا على التوالي توجيه الإنتقادات أو الأوامر صراحة خوفاً من العصيان، أو تفكك التماسك الشكلي أصلاً للتنظيم.

الجولاني بدوره غامض الشخصية، كان شاهداً عياناً على أخطاء التنظيم في العراق، ربما منعته سلطته المحدودة كقائد لعمليات الموصل بحسب المعلومات المتدوالة من الإعتراض حينئذ، خروجه من عباءة البغدادي، قيادته (للنصرة) حصنت موقعه، استقوى بنجاحاته لمقاومة رغبة البغدادي بمصادرة الجبهه أو استعادتها، رفض الأول ولاية الثاني، هرب منه إلى حضن الظواهري مبايعاً.

الجولاني أذكى من البغدادي، فهم دروس العراق، تغافل عن إقامة الحدود، ترفع عن التدخل في خصوصيات المجتمع (لو مؤقتاً)، مد يده لكتائب الثوار الآخرين، أعطى الأولوية لإسقاط النظام، لا ينكر سعيه لتطبيق الشريعة في سوريا، تجنب الحديث عن إقامة دولة الخلافة، أداء مقاتليه في المعارك، انضباطهم، عدم تورطهم في الفساد، أجبر الكثير من سياسي المعارضة على تجاهل إدراج الإدارة الأمريكية لجبهة النصرة في قائمة التنظيمات الإرهابية، بلغ بعضهم حدود الدفاع عنها.

بالمقابل، لم تترك (داعش) موبقة تسيء للثورة، وتخدم النظام إلا وارتكبتها، لا يهم سواء عن قصد أو بدونه، من فرض الشريعة في المناطق المحررة، إلى اختطاف الناشطين المدنيين والاعلاميين منهم فريق قناة الأورينت، إلى احتجاز الأب باولو، إلى اغتيال قادة الجيش الحر والاستيلاء على مناطقه وأسلحته، وصولاً إلى تأكيد أكاذيب النظام حول مواجهته للإرهاب، ومنح جماعة صالح مسلم الذريعة لإعلان إدارة ذاتية تُطابق الإنفصال.
سلوك (داعش) يفضح حقيقة ارتباطاتها، ما يحكى عن اختراقها من قبل الأسد وإيران يكاد يصبح يقيناً.

لا غرابة في ظل تفاقم الشكوك أو استفحال الخلافات، أن تنفجر المواجهات بين الظواهري والجولاني من جهة، والبغدادي من جهة أخرى.

قوة الظواهري الرمزية لا يستهان بها، ودهاء الجولاني أثبت جدواه، في حين تكشف سياسات البغدادي عن الرعونة، لا يملك حنكة التراجع عن قرارات خاطئة ستضعه بين فكي مجتمع يلفظه، ومريدين وحلفاء ضاقوا بتصرفاته الحمقاء والمشبوهة.

لا تكفي محاولات (داعش) لتجميل وجهها القبيح،لا تمسح حفنة من الدولات والخدمات والوعود تاريخاً دموياً أسوداَ، تبدو تحليلات الداعية الإسلامي عمر بكري فستق مضحكة حين تعتبر توجه (داعش ) نحو العمل الخدمي بمثابة الخطوة الأولى لتنفيذ مشروع الخلافة.
كفة الصدام المؤجل مرجحة على كفة التهدئة الدائمة…….. كل الدروب تؤدي إلى بحر دماء السوريين.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك