التباسات معارك دمشق

صبر درويش | جريدة المدن

 لم تعد الحرب الدائرة على أرض السوريين بعيدة عن متناول سكان العاصمة دمشق، ولا سيّما بعد أن تحولت أحياء برزة والقابون وجوبر الدمشقي إلى خطوط جبهة، تجري فيها أعنف العمليات العسكرية بين الكتائب المقاتلة وقوات الجيش النظامي.اليوم بات من الممكن لسكان العاصمة دمشق أن يشتموا رائحة الحرائق التي تخلفها القذائف في كل لحظة، وأن يروا بأم أعينهم ما تخلفه قذائف الهاون المتطايرة في كل الاتجاهات. 

 
بيد أن التطورات الأخيرة للمعارك بين الطرفين جعلت من دمشق ميداناً آخر لهذه المعارك، فعلى الرغم من امتداد الصراع المسلح لأكثر من عام ونصف، إلا أنه ولأول مرة تتمكن الكتائب المقاتلة من قطع أهم شريان على العاصمة، وهو أوتوستراد دمشق- حمص الدولي، حيث تمكنت الكتائب المقاتلة وعلى ضوء المعارك الجارية في منطقة القلمون، شمالي العاصمة دمشق، من قطع الطريق الدولي ومنع أي دخول أو خروج من العاصمة. 
 
في المقابل تقوم القوات السورية بفرض حصار محكم على الغوطة الشرقية جعلت منه السيطرة على بلدة العتيبة ومحيطها كابوساً قسم ظهر المعارضة لأشهر مضت، إذ منع دخول أي شحنات إغاثية أو طبية إلى المنطقة، ناهيك عن شحنات السلاح التي كانت تدخل إلى التشكيلات المقاتلة على هذا المحور.
 
في الحقيقة هناك رابط لابد من الانتباه إليه، يجمع بين منطقة القلمون وتحديداً شرقي الاوتوستراد الدولي وبين منطقة العتيبة ومحيطها جنوب الغوطة الشرقية.  لا تملك العتيبة أهمية في ذاتها، بل إن أهميتها تكمن في كونها محطة عبور للقوافل باتجاه أطراف مدينة عدرا ومنها باتجاه الضمير التي تقع على محور القلمون، شرقي الاوتوستراد الدولي، ومنها باتجاه الريف الشرقي إلى حمص. 
 
والمثير هنا أنه في الوقت الذي خسرت فيه قوات المعارضة بلدة قارة الواقعة على الاوتوستراد الدولي وإحدى أهم بلدات القلمون، فإن المعارضة أعلنت عن بدء عملياتها العسكرية التي تمكنت من خلالها من إعادة السيطرة على عدد من البلدات في محيط العتيبة جنوب الغوطة الشرقية، وذلك بعد الاعلان عن بدء معركة جند الملاحم والتي يقودها تحالفٌ تم مؤخراً في الغوطة الشرقية بين جبهة النصرة وحركة أحرار الشام وألوية وكتائب الحبيب المصطفى وكتائب شباب الهدى، وكتيبة عيسى بن مريم وبالتنسيق مع لواء الاسلام.
 
يقول محمد أبو اليسر، أحد الإعلاميين المشاركين في تغطية هذه المعارك في حديث لـ”المدن”، إنه “جرى تحضير كبير لهذه المعركة، وذلك بمشاركة أكبر التشكيلات العسكرية بمن فيها جيش الإسلام، واعتمد سياسة التكتم على هذه المعارك ومنع التصوير والتدويل الإعلامي، لذا لم يسمع السوريون إلا وقد سقطت بلدات البحارية والقيسا وغيرها بيد الكتائب المقاتلة، ويجري اليوم التحضير لاستعادة بلدة العتيبة الاستراتيجية”. 
 
وعلى الرغم من هذا التقدم الذي تشير إليه المعارضة وما يرافقه من حديث حول فك الحصار عن الغوطة الشرقية، إلا أن السيد أبو حمزة أحد المقاتلين في إحدى البلدات القريبة من منطقة الاشتباكات في الغوطة الشرقية، يقول لـ”المدن” إنه “في الحقيقة أغلب هذه البلدات كالبحارية ودير سلمان والقيسا وغيرها كانت شبه خالية من وجود أي قوات عسكرية لكلا الطرفين إذ اكتفت قوات الأسد بالتمركز في بلدة العتيبة ومحيطها، وبالقرب من محطة تشرين الحرارية”. 
 
ويضيف أبو حمزة، موضحاً الأسباب التي أدت إلى استعادة النظام السيطرة على تلك المناطق قائلاً: “بسبب طبيعة المنطقة الصحراوية تمكنت قوات الأسد من السيطرة على المنطقة من دون حشد كبير لها، حيث اكتفت القوات باللجوء إلى القنص واستهداف المنطقة بالأسلحة المتوسطة والثقيلة ومنعت أي تحرك لقوات المعارضة”. وأَشار الى “إن أي تقدم لا يؤدي إلى إعادة السيطرة على بلدة العتيبة فلن يكون ذي مغزى مهم بالمعنى العسكري واللوجستي”. 
 
في الحقيقة يمكن القول أيضاً إن أي تقدم على محور الغوطة الشرقية ولا يترافق مع تقدم على جبهة القلمون لن يستحق اسمه، كما أنه لن يساهم بفك الحصار عن الغوطة الشرقية وهو الهدف الأساسي من هذه العمليات، إذ ماذا يتبقى من أهمية لبلدة العتيبة عندما تسقط أجزاء من طريق القوافل والممتدة هنا في منطقة القلمون، بيد قوات الأسد؟ 
 
ما يثير اللبس في مجريات الأحداث السياسية والعسكرية في محيط دمشق، هو المداومة على إعلان تجمعات عسكرية كبرى كجيش الإسلام في الأمس والجبهة الإسلامية اليوم، مع ما يرافقها من غياب لفعالية هذه التشكيلات على الأرض؛ فمنذ تشكيل جيش الإسلام خسرت قوات المعارضة الكثير من البلدات التي تعد استراتيجية كالحجيرة وسبينة في الجنوب والبلدات المتاخمة لطريق مطار دمشق الدولي في الشرق. 
 
فهل تكون معركة جند الملاحم التي رافقها الإعلان عن تشكيل الجبهة الإسلامية شيئاً مختلفاً عما اعتدناه من الاكتفاء بالتهويل الإعلامي والاكتفاء بتحصيل مكاسب سياسية ومادية بمعزل عما يجري على أرض المعارك؟ 
 
الحقيقة إن استعادة الكتائب لسيطرتها على بلدة العتيبة من الممكن أن يضع حداً لهذه التساؤلات، وهو ما ينتظره سكان الغوطة الشرقية بفارغ الصبر.
وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك