دمشق تختنق بناسها والنازحين إليها

سلام السعدي | جريدة المدن

كقارب نجاةٍ صغير وسط بحر هائج، تبدو دمشق. فالمدينة المنهكة والمترنّحة والمقطعة الأوصال، باتت محاصرة بالأحياء المدمرة التي هجرها سكانها ليدلفوا إلى العاصمة. هكذا ضاقت دمشق بالنازحين وبسكانها الأصليين، وباتت عملية إيجاد منزل للإيجار فيها تشبه مهمة مستحيلة.
يواجه النازحون السوريون إلى دمشق عقبتين أساسيتين في خضم رحلة البحث عن منزل للإيجار. أولاهما انخفاض عدد المنازل الشاغرة وصعوبة إيجاد مسكن مناسب. ما يحيلنا إلى العقبة الثانية المتمثلة بإرتفاع أسعار الإيجارات بصورة قاسية جداً، يعجز معظم السوريين عن مجاراتها من دون مساعدة مالية من الأهل والأصدقاء.
تشرح لمياء، وهي أم لعائلة من ثلاثة أفراد، معاناتها في إيجاد منزل بعد نزوحها من منطقة التضامن، قائلة لـ”المدن”: “المناطق الآمنة باتت محدودة ومكتظة بالسكان، وما يزيد من صعوبة المهمة، أن يطلب صاحب المنزل دفع إيجار عن ستة أشهر مقدماً”. وتضيف: “ارتفعت الأسعار حتى في مناطق السكن العشوائي، كمدينة جرمانا، وباتت خيالية بالنسبة لدخلنا الشهري، فلا إيجار أقل من 25 ألف ليرة، وهذا كفيل بقضم 80 في المئة من دخل العائلة”.
أما لؤي، وهو رب أسرة وموظف حكومي، فاختار أن يستأجر منزلاً في دمشق القديمة، لقاء مبلغ 50 ألف ليرة، يقول لؤي لـ”المدن”: “انه مبلغ كبير جداً، واشعر بالغبن الشديد مع بداية كل شهر عندما أسدده”. ويشير إلى أن صاحب المنزل “رفع سعر الإيجار من 35 ألف ليرة، إلى 50 ألفاً بعد مضي أشهر على استلامه”، متذرّعاً بـ”انخفاض سعر صرف الليرة”. ويشير لؤي إلى انه “من دون المساعدة الشهرية التي تصلني من أخي في استراليا، كنت سأعجز عن سداد هذا المبلغ”.
لكن خيار لؤي غير متاح لعدد كبير جداً من العائلات السورية. إذ تجد العائلات ذات الدخل المحدود نفسها مضطرة لتحمل صعوبات السكن الجماعي. وقد بات هذا النمط من السكن شائعاً في سوريا، مع ما يحمله من ضغوط نفسية وخلافات عائلية.
هذا حال عمر الذي نزح مع زوجته وولده الصغير من حي القابون منذ عام ونصف العام، ليشترك مع أخويه في استئجار منزل في مدينة قدسيا. يصف عمر السكن الجماعي لـ”المدن” بأنه: “خيار ذو وجهين، إذ نتقاسم الأعباء المادية الثقيلة التي يعجز كل منا وبشكل منفرد عن مواجهتها، لكننا نتقاسم أيضا متاعب هذا النمط من السكن، فعلاقتي مع إخوتي، ورغم المُصاب المشترك، تبدو في أتعس أوقاتها بسبب ذلك”. يضيف عمر تعقيداً آخراً، إذ أنه وفي خضم رحلة البحث عن منزل مناسب “يرفض الكثير من أصحاب المنازل إيجارها لأكثر من عائلة، وذلك حرصاً على أثاث المنزل، وهنا عليك البحث لوقت أطول، ودفع سعر إيجار أعلى”.
تقدر مكاتب العقارات في سوريا، أن أسعار إيجارات المساكن في العام 2013، وفي مختلف المدن السورية، باتت تعادل نحو 3 أضعاف ما كانت عليه قبل الثورة.
يعتبر أبو قصي، وهو صاحب مكتب عقاري، أن “فيروس ارتفاع الأسعار أصاب كل السلع، حتى تلك التي لم تشهد زيادة في الطلب عليها، فكيف الحال مع العقارات التي شهدت انخفاضاً كبيراً في العرض وزيادة جنونية في الطلب”. ويشير لـ”المدن” أن “أصحاب العقارات، خصوصاً الذين اضطروا لبيع عقاراتهم خلال الثورة، تكبدوا خسائر كبيرة، إذ لم ترتفع أسعار العقارات بنفس درجة ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة”.
ويعد قطاع السكن من أشد القطاعات الاقتصادية تضرراً من جراء العمليات العسكرية التدميرية التي يشنها النظام على الأحياء السكنية. وتقدر منظمة “الاسكوا” في “الأجندة الوطنية لمستقبل سورية 2013” الصادرة نهاية شهر تشرين الأول الماضي، عدد المنازل المدمرة في سوريا بنحو 1.5 مليون منزل. وهي مقسمة إلى 315 ألف منزل مدمر بالكامل، و300 ألف منزل مدمر جزئياً، و884 ألفاً تعرضت لدمار في البنية التحتية (المياه والكهرباء والصرف الصحي). كما تقدر “الاسكوا” أن نحو 7 ملايين سوري قد تأثروا بالدمار، فيما اضطر نحو 3 ملايين للنزوح، وفقد نحو 1 مليون شخص ممتلكاتهم بشكل كامل.

كذا، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، يعيش 26-30 في المئة من سكان سوريا في مناطق السكن العشوائي. وتتجاوز النسبة 35 في المئة في كل من دمشق وحلب، اللتين تصل الكثافة السكانية في بعض مناطقهما إلى 700 شخص في الكيلو متر المربع الواحد.
ما تقدّم، إذن، يظهر حجم الكثافة السكانية الهائلة التي تجثم بثقلها على صدر دمشق، التي تختنق بهم ويختنقون بها. ومع التكهنات الرائجة بطول أمد الحرب يغدو جائزاً التساؤل عن مدى قدرة دمشق على الإحتمال؟

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك