أسبوعان على حصار داعش لكوباني وعفرين

مجيد محمد | جريدة المدن

فرض تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) حصاراً على مدينتي كوباني/عين العرب في ريف حلب الشرقي، وعفرين في ريف حلب الشمالي، منذ الثاني من الشهر الحالي، بذريعة مساندة هاتين المدينتين مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردي الـ “YPG”، التي تخوض حرباً ضروساً مع التنظيم على أكثر من جبهة.

يأتي الحصار من جانب التنظيم بعد إعلان الناطق الرسمي لوحدات حماية الشعب، ريدور خليل، في بيان رسمي عن “بدء مرحلة جديدة من الصراع مع تنظيم “دولة العراق والشام” والكتائب الإسلامية المتحالفة معه، إثر تمكن المقاتلين الأكراد من السيطرة على أغلب المدن الرئيسية في إقليم الجزيرة في الشمال الشرقي لسوريا، وإعلان حزب الاتحاد الديموقراطي الـ “PYD” عن مشروع الإدارة الذاتية المرحلية التي قسّمت المناطق الكردية في سوريا إلى 3 إدارات تضم محافظة الحسكة وكوباني وعفرين، فيما يدفع المدنيون دائماً الثمن على غرار ما حدث في قرية “إحرص” قبل أيام.

شيار من سكان قرية “إحرص”، يروي لـ”المدن” تفاصيل عملية اقتحام “داعش” للقرية الواقعة على بعد (20) كيلومتراً، من مدينة إعزاز قائلاً: “في ساعات فجر الأحد، اقتحمت أعداد كبيرة من المقاتلين الملثمين بالآليات والمدرعات والعربات المحلمة بمدافع الدوشكا القرية، وبدأوا باعتقال المدنيين من الرجال والنساء والأطفال، ثم تم سوقهم لاحقاً إلى جهة مجهولة، وصادر المقاتلون كل الأسلحة الفردية التي بحوزة السكان”.

يردف شيار بأن “علميات التهجير منذ سريان الحصار على المنطقة بات شيئاً مألوفاً ومتوقعاً، لكنه لم يدفع الأكراد لترك منازلهم قراهم وبلداتهم، رغم الخطر الكبير على حياتهم، فهذه المسألة هي قضية حياة أو موت”. وهو ما يفسر اصرار المقاتلين الأكراد على خوض المعارك الشرسة للحفاظ على مناطق سيطرتهم.

على جبهة “الجزيرة” معظم الأراضي باتت تحت سيطرة المقاتلين الأكراد، بعد معارك عنيفة شهدتها أكثر من منطقة أهمها؛ معركة السيطرة على معبر اليعربية الحدودي مع العراق، ثم معركة رأس العين والتي كانت تمثّل بموقعها الاستراتيجي وملاصقتها للحدود التركية، نقطة ارتكاز رئيسية بالنسبة للكتائب الإسلامية الطامحة للسيطرة على موارد الإقليم النفطية والزراعية، ناهيك عن سعيها للاستفادة من المعابر الرئيسية الثلاثة في المنطقة مع تركيا، التي شكّلت طريقاً للإمداد سواء بالمقاتلين أو بالسلاح.

خسر تنظيم “داعش” بعد اضطراره للانسحاب من آخر معقل له في مدينة “تل تمر” في الريف الغربي لمدينة الحسكة معظم مستودعات الذخيرة والسلاح التي كان قد جهزّها لمعركة السيطرة على حقول النفط في مدينة الرميلان شرقي القامشلي، ما دفع قيادة التنظيم للتفكير باستراتيجة مختلفة هذه المرة، ولا سيما بعد الضربات القاسية التي تلقتها من المقاتلين الأكراد، الذين أظهروا قدراً من التنظيم والعقائدية القتالية يفوق بكثير ما لدى تنظيم الدولة ومقاتليه.

انسحاب “داعش” من منطقة الجزيرة كان يعني عملياً التوغل أكثر في عمق الأراضي السورية باتجاه محافظة الرقة والتي تمثل المعقل الأكبر للتنظيم، وأيضاً على طول الأوتستراد الرئيسي بين الحسكة وحلب، الذي يمر بالقرب من مدينة كوباني، وصولاً لعفرين، حيث يمثل صلة الوصل الرئيسية بين مناطق سيطرة التنظيم في الرقة وريف حلب (إعزاز والأتارب ومنبج) التي تسيطر عليها “داعش” وبعض الكتائب المتحالفة معها.

هذا الانسحاب يأتي عقب إغلاق تركيا معظم المعابر في المنطقة في وجه المقاتلين الإسلامين، بعد التغيير الملحوظ الذي طرأ على سياساتها، الذي جاء نتيجة التقارير التي تحدثت عن تورط تركيا في دعم التنظيمات المتطرفة، وكذلك نتيجة التغيرات التي حدثت في السياسية الأميركية والغربية عموماً في ما يتعلق بمنهج الاحتواء الذي مارسته تركيا مع مقاتلي التنظيمات المتشددة.

يبقى أن التضارب بين مشروعي “داعش” ووحدات حماية الشعب الكردي يجعل الطرفين في صراع شديد للسيطرة على الطريق الرئيسي بين الحسكة وحلب، فهو يمثّل للمقاتلين الأكراد صلة الوصل الطبيعية والوحيدة بين الأقاليم الكردية التي شملها مشروع الإدارة الذاتية المرحلية، وكذلك يمثّل تحدياً عسكرياً لتأمين الحماية للمناطق التي يتواجد فيها الأكراد بعيداً عن الجزيرة المؤمنة بشكل أفضل، والتي تتعرض لـ”حرب إبادة جماعية”، على حد وصفهم، تشنّها التنظيمات المتطرفة ضدهم.

من جهة ثانية يمثل الطريق بين الحسة وحلب بالنسبة لـ”داعش” ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها ضد المقاتلين الأكراد بعد الهزيمة في الجزيرة، فالسيطرة على مدينتي كوباني وعفرين مثّلت ضربة قاضية لمشروع الإدارة الذاتية الذي يهدد المشروع السياسي لـ”داعش” برمته. كما تشكل السيطرة على المدينتين للتنظيم إغراءً جغرافياً مهماً، بهدف توسيع الرقعة الجغرافية للمشروع الذي جاءت به “داعش” إلى المنطقة، إلى جانب سيطرتها على مساحة واسعة ومفتوحة من الحدود الطويلة مع تركيا، والتي يمكن أن تشكل منفذاً لتمرير المقاتلين، وكذلك السلاح.

يقول جومرد، أحد المقاتلين الأكراد على جبهة كوباني لـ”المدن”، إن “حصار داعش لمدينتي كوباني وعفرين، يأتي ضمن مخطط أكبر، (فالدولة الإسلامية في العراق والشام) بعد تعرضها لهزائم عديدة في الجزيرة، تحاول الآن رفع الروح المعنوية لمقاتليها عبر معاقبة السكان واختطافهم وقتلهم واعتقالهم وتهجيرهم، للسيطرة على مدينتين تبعدان جغرافياً عن مركز ثقل القوات الكردية، المتمركزة أساساً في منطقة الجزيرة”.

وبعيداً عن الاستراتجيات العسكرية، فإن استمرار الحصار منذ أسبوعين يُنذر بكارثة إنسانية ترخي بظلالها على سكان المدينتين والقرى التابعة لها. السكان يتحدثون عن تراجع في مخزون المحروقات والمواد الأساسية، والمحاولات التي يقوم بها الناشطون المدنيون لخرق الحصار، تجابه بإعدامات ميدانية من جانب “داعش”.

كل ذلك يحدث في ظل صمت مطبق من المعارضة السياسية، وتخوف من اشتداد وتيرة المعارك في ظل حشد المقاتلين الأكراد لقواتهم، لفك الحصار عن المدينتين.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك