رأس السنة في سوريا: صامت كالموت

سلام السعدي | جريدة المدن

من جديد، وللعام الثالث على التوالي، يودع السوريون السنة الميلادية بمزيد من الأسى، وهم عالقون منذ ثلاثة أعوام في خضم حرب مجنونة فرضها النظام السوري على الجميع. في نهاية العام 2013 تغيب الاحتفالات قسراً لدى البعض بعد غياب المحتفلين، فالكل يفضل الصمت، في حضرة الموت المتزايد. ومن ناحية أخرى، يفضل كثيرون الاحتفال في المنزل كنوع من الأمل بعامٍ قادم أفضل، فيما تواصل المطاعم والفنادق ومكاتب السياحة والسفر، تقديم عروض احتفالات رأس السنة، بوتيرة أقل.
إذ جرت العادة قبل اندلاع الثورة، وحتى في عامها الأول 2011، على أن تغص شوارع دمشق في هذا الوقت من كل عام بإعلانات تدعو السوريين إلى الاحتفال برأس السنة الجديدة. حيث تتسابق المطاعم والفنادق في تقديم العروض، ويبدأ التنافس بنوعية الفنانين الذين سيحيون الحفلات، مروراً بنوعية الطعام والشراب المقدم، وانتهاءً بالأسعار.
غير أن الملاحظ في هذا العام، هو غياب الإعلانات عن عروض الاحتفالات، أو تركزها في حال وجدت في محيط المطاعم والفنادق. إذ فضلت أغلبية المطاعم عدم الإعلان عن سهرة رأس السنة، فيما اختارت أخرى عدم إقامة أي حفلات هذا العام، “خصوصاً مع زيادة الإجراءات الأمينة التي يفرضها الأمن السوري على منظمي هذا النوع من الاحتفالات، فالنظام يراها تجمعات تثير القلق” وفق ما يقول أبو حازم، وهو صاحب إحدى المطاعم في دمشق القديمة، لـ”المدن”. افتتح أبو حازم مطعمه قبل نحو ست سنوات، واستمر يقيم الحفلات في كل رأس سنة حتى العام الماضي 2012 إذ “اضطررت إلى إلغاء الحفل الذي أعلنت عنه وذلك قبل موعده بنحو أسبوع، بسبب عدم صدور الموافقة الأمنية التي كانت بمثابة إجراء روتيني قبل ذلك”. ويُفسر أبو حازم سبب التركز الجغرافي للإعلانات في محيط الفنادق والمطاعم بـ”تراجع الأمن على الطرقات، إذ ومنذ العام الماضي، اختار المحتفلون برأس السنة أماكن في محيط سكنهم، لتجنب الطرقات الطويلة التي تزداد خطورتها ليلاً”.
كما يلاحظ في عامي 2012- 2013، غياب نجوم الفن عن حفلات رأس السنة في سوريا، إذ حطَ هؤلاء رحالهم في دول الخليج العربي وفي لبنان. فندق طريق المطار الذي أحيا فيه الفنان عمر دياب حفل رأس السنة 2011 تحول إلى نزل عسكري، وتفوح رائحة الموت من جوانب الطريق المؤدي إليه. أما بلدة صيدنايا المعروفة بنشاطها وحيويتها في فترات الأعياد وخصوصاً في رأس السنة، والتي لطالما كانت جزءًا من الحفلات المزدوجة لفناني لبنان بسبب قربها من الحدود اللبنانية، فهي اليوم في خضم المعركة الأشهر في سوريا، معركة القلمون. بالمقابل، خلت الساحة للمنافسة بين الفنانين المحليين، أو فناني الدرجة الثانية إن صح التعبير، وهؤلاء هم من استعانت بهم جميع المطاعم والفنادق التي ستقيم حفل رأس السنة لهذا العام.
لا تزال منطقة الربوة، الأقرب إلى وسط العاصمة دمشق، والتي تكثر فيها المطاعم والمقاهي، تتمتع بهدوء نسبي، وهو ما أتاح الإعلان عن حفلات رأس السنة وإن بوتيرة أقل من كل عام. وقد تراوحت الأسعار للشخص الواحد بين 3000-5000 ليرة. وهو رقم كبير مقارنة بما كانت تتقاضاه في العام 2010، إذ تراوحت الأسعار بين 1000- 2000 ليرة حينها. الأمر مشابه بالنسبة لعدد من ضواحي دمشق التي لا تزال خاضعة للنظام مثل جرمانا وصحنايا، إذ تغص كل منهما بالكثير من المطاعم التي تقدم عروضاً مشابهة.
أما الفنادق الفخمة، أمثال شيراتون دمشق، فورسيزن، ميرديان، الخ، فلم تنقطع عن حفلاتها هذا العام رغم كل شيء، لكنها سجلت غياب نجوم الفن. ويتراوح سعر بطاقة الحفلة للشخص الواحد بين 15 ألف- 20 ألف ليرة.
خطورة الوضع الأمني، والأجواء المشحونة التي تعكر صفو المحتفلين، دفعت بمكاتب السياحة والسفر إلى تقديم عروض الاحتفال في خارج سوريا. في لبنان وتركيا على نحو خاص، وفي الأردن ومصر بدرجة أقل. وتتراوح أسعار الحفل في إحد الفنادق مع حجز غرفة لقضاء ليلة رأس السنة بين 150- 400 دولار للشخص الواحد، بحسب البلد ومستوى الفندق.
في مقابل أولئك الذين لا يزالون يملكون القدرة على الاحتفال، هنالك من لم يعد قادراً على الفرح، وربما على الحياة. يودع هؤلاء العام الحالي برغبة عارمة في نسيان تفاصيله الكثيرة، التي تخللها دمار مدنهم وقراهم، ونزوحهم عنها إلى خيمٍ بائسة أو إلى العراء. تخللها موت كثير وسجن وجوع وحصار وقذائف وبراميل متفجرة، وعذابٍ لا تتسع له سوى صفحات التاريخ.
العام 2013 بالنسبة للأغلبية الساحقة من السوريين، لا يستحق حتى الوداع.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك