2013 السوري.. بالكاد نجا المسرح

وسيم الشرقي | جريدة المدن

تتلاشى كل الأسئلة حول دور الفن وفاعليته الاجتماعية أمام ما تعيشه سوريا من حزن يومي. تودّع دمشق اليوم العام 2013 الذي أخذت تتبلور فيه معالم مدينة جديدة مصمّمة على قياس الحرب والعسكر، لا على قياس الثقافة والحياة المدنية.

ومع كل ما عاشته دمشق هذا العام، إلا أنها شهدت كمّاً ونوعاً من المنتجات الثقافية والفنية، باتت ترسم اليوم خريطة أولويات المدينة ضمن شرطها الحالي، و مدى قدرتها على احتضان أنواع فنية دون غيرها. ففي حين لم تُصب فنون كالمسرح والشعر بأزمات كبيرة، شارف طقس السينما على التلاشي، وكذلك الأمر بالنسبة للفنون التشكيلية.

فقد استمرّ إلغاء “مهرجان دمشق السينمائي” للسنة الثالثة على التوالي، وكذلك الأمر بالنسبة لمهرجان السينما التسجيلية “أيام سينما الواقع Dox Box” الذي نقل نشاطاته العام هذا العام إلى دول عربية أخرى مثل مصر ولبنان. أما صالة السينما الخاصة الوحيدة تقريباً في دمشق “سينما سيتي” فقد أغلقت أبوابها هي الأخرى. بل إن الإدارة أغلقت مدخل الصالة القديم بجدار إسمنتي! وبالتالي فقد افتقرت الشوارع في هذا العام، الشباب الذين كانوا يملأون منطقة وسط العاصمة واقفين على أبواب الصالات، أو أمام المطاعم الرخيصة المجاورة، في الفواصل القصيرة بين فيلم وآخر. ولم تنجح المحاولات الهزيلة من “المؤسسة العامة للسينما” بفتح باب المنح لأفلام الشباب (من المال الموفّر من ميزانية المهرجان المتوقف) في تحقيق أي تقدم يذكر في استعادة شرط السينما البديهي وهو المشاهدة، فلم تنظم المؤسسة مثلاً تظاهرة لعرض هذه الأفلام، حيث اكتفت صالة “الكندي” الحكومية مثلاً بتقديم بعض التظاهرات المكرّرة من الأفلام الحائزة على جوائز “أوسكار”، أو تظاهرات لسينما المؤلف على مدى أسبوع لا يتجاوز فيه عدد مشاهدي الأفلام مجتمعين أصابع اليد الواحدة.

والحال مشابهة تقريباً في مجال الفن التشكيلي. والحال أن بعد إغلاق صالات المراكز الثقافية الأوروبية التي كانت تحتضن معارض التشكيل والفن المعاصر، وخاصة للفنانين الشباب، وندرة المعارض التي نظّمتها غاليريهات سورية في هذا العام، لم يعد ثمة فسحة أمام الفنان التشكيلي لعرض الأعمال وبيعها والتواصل مع المتفرج. ما دفع فناني الصف الأول إلى مغادرة سوريا والإقامة في لبنان أو الأردن أو في أوروبا مع استثناءات قليلة (أهمّها يوسف عبدلكي).

أما أبو الفنون “المسرح” فقد كان الناجي الأكبر من المأساة الحاصلة، من جهتي الكم والنوع، وإن على تفاوت. ويعود ذلك لأسباب عديدة، منها أن معظم أساتذة التمثيل والنقد المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية، لايزالون على رأس عملهم من دون أن تفقدهم الأوضاع إصرارهم على تقديم مشاريع التخرّج المسرحية أو أعمال تجريبية أخرى. فقد شهد العام المنصرم عدداً مقبولاً من العروض المسرحية التي قدمت على مسارح العاصمة. أنتج المسرح القومي عدداً من العروض منها “المرود والمكحلة” للكاتب السوري عدنان العودة من إخراج عروة العربي، وقدمت الخشبة ذاتها مشروع تخرج لطلاب المعهد العالي عن نص “الكوميديا السوداء” لبيتر شافر، إخراج بسام كوسا، العرضان اللذان ملآ تقريباً صالة مسرح “الحمرا” وسط دمشق بغض النظر عن سويتهما الفنية. وكذلك شهد مسرح “القباني” عروضاً مثل “ليلي داخلي” من إخراج سامر اسماعيل، و”في بار بشارع الحمرا” من إخراج كفاح الخوص، كما قدم “مختبر دمشق المسرحي” عرض “العودة إلى البيت” عن نص هارولد بنتر وإخراج أسامة غنم، في مكان بديل هو قاعة في فندق “برج الفردوس”، حيث أنجز المختبر أيضاً ورشتين احترافيتين في “الدراماتورجيا” مع عدد من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية. يبدو أن المسرح كان محمياً بشكل نسبي بوجود بنية المؤسسات، التي على هشاشة الرسمي منها (المعهد العالي، المسرح القومي) إلا أنها مازالت قادرة على أن تحقق متنفساً للمدينة في هذا الفضاء المسموم، وبطبيعة الحال فقد لعبت هذا الدور الداعم تجمعات مسرحية مستقلة مثل “مختبر دمشق المسرحي”.

طبعاً يعتبر غياب “معرض دمشق الدولي للكتاب” من الخسائر الهامة التي منيت بها العاصمة، لتفقد معه ومع مهرجاني السينما والمسرح، ظاهرة الحدث الثقافي الذي يفرض نفسه على المدينة كحدث اجتماعي وثقافي، لتُترك المساحة للمحاولات الفردية ونصف الجماعية للتمسك بالفن كفاعلية اجتماعية، وهي في لحظة الثورة والحرب محاولات نبيلة في معظم الحالات، وخبيثة جداً في حالات أخرى.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك