إفقار فلاحي الساحل السوري لتجنيدهم

سلام السعدي | جريدة المدن

في كل عام، ومع حلول موسم حصاد الحمضيات في الساحل السوري، تتجدد مأساة الفلاحين هناك. ويحدث في ظل “القيادة الحكيمة” أن تتحول وفرة إنتاج الحمضيات في سوريا إلى وبالٍ على المنتجين. إذ يعجز هؤلاء عن تسويقها، فتتلف على الأشجار أو يقتنصها التجار بأزهد الأسعار.
سجل إنتاج الحمضيات في العام الحالي 2013 أكثر من 1.1 مليون طن بحسب اتحاد غرف الزراعة السورية. في المقابل، تبلغ حاجة السوق المحلية من الحمضيات نحو 500 ألف طن، ما يعني أن أكثر من 600 ألف طن من الحمضيات يفترض تصريفها في الأسواق الخارجية. وهذا ما لا يحدث على نحو تام، إذ تبلغ صادرات سوريا من الحمضيات في أفضل أحوالها 50 في المئة من الفائض الإنتاجي، ما يخلف خسائر فادحة باتت تعصف بالفلاحين في كل عام.
يحدث ذلك، بالرغم من الارتفاع الكبير الحاصل في تصدير الحمضيات في السنوات العشر الماضية، إذ ازدادت صادرات الحمضيات من نحو 38 ألف طن في الفترة 2001-2003 إلى نحو 230 ألف طن في عامي 2008-2009، وبلغت ذروة صادراتها في العام 2010 بنحو 300 ألف طن وبقيمة 125 مليون دولار. ويعتبر كلّ من العراق والأردن، الوجهة التصديرية الرئيسية بنسبة 95.5 في المئة من إجمالي صادرات سوريا من الحمضيات في الفترة 2008-2010.
يزيد هذا الإهمال الحكومي من معاناة الفلاحين، ويجعلهم حائرين في كل عام بمحاصيلهم الوفيرة. منهم من يتركها تتلف على الأشجار كي لا يتكبد عناء وتكاليف جنيها من دون إمكانية حقيقية لتصريفها. فيما يبيع آخرون ما أمكنهم و بأبخس الأسعار لتجار اللحظة الأخيرة.
الحكومة السورية من جهتها، وطيلة الأعوام الماضية، حافظت على عجزها. ويعلق رئيس اتحاد غرف الزراعة، محمد كشتو، على مأساة الفلاحين تلك، فيقول أن موضوع تسويق الحمضيات “من أكبر المشكلات التي تواجهنا، وقد بات مشكلة تراكمية على مدى سنوات طويلة، فمنذ العام 2006 وأنا أحضر العديد من الاجتماعات التي تتعلق بمناقشة مسألة تسويق الحمضيات، وما يتغير هو الأشخاص الذين يحضرون الاجتماعات فقط، ولا تزال تطرح إلى الآن في العام 2013 وجهات النظر ذاتها”.
لو ان الحديث عن بلد طبيعي لكان السؤال البديهي: كيف يمكن لأي حكومة، أن تهمل محصولاً على هذا القدر من الأهمية، وتترك الفلاحين لمصيرهم في تسويق منتجاتهم؟ غير ان الحكومة السورية تفعل أكثر من ذلك، إذ تتجاهل دعم الفلاحين أثناء بيعهم قسما من المحصول للسوق المحلية ما يجعلهم فريسة سهلة للتجار.
يتكبد المزارعون تكاليف كبيرة تتعلق بالسماد والري والعناية بالأشجار. وهي تكاليف ارتفعت بمعدلات كبيرة في العامين الماضيين. ويضاف لها خلال فترة جني المحصول أجرة اليد العاملة، والنقل وتكاليف الوسطاء أو “السماسرة”، فضلاً عن تكاليف العبوات البلاستيكية وهذه معاناة منفصلة.
إذ ارتفعت أسعار العبوات البلاستيكية المخصصة لتعبئة الحمضيات من نحو 12 ليرة في العام 2010، فتضاعفت مع اندلاع الثورة وسجلت نحو 24 ليرة في العام 2011. لكنها قفزت بصورة جنونية هذا العام 2013 لتسجل نحو 90 ليرة للعبوة البلاستيكية الواحدة.
سنوياً، تأكل تلك المصاريف المتعددة النسبة الكبرى من الربح، ويتسرب إلى يد الفلاح بضع ليرات تكاد لا تستحق وصف “ربح”. فيما يبدو هذا العام ومع تفاقم مشكلة “العبوات”، أن المصاريف ستأكل كل الربح، وترمي بالفلاح في أرض جرداء يعجز عن زراعتها.
تفسر تصريحات حكومية غياب الحلول بتعدد أصناف الحمضيات وتفاوت أسعارها، ما يجعل تصديرها صعباً جداً. أما الحل الذي تشير له الحكومة فهو “إستراتيجي” يتطلب من الفلاحين الصبر بضعة قرون فحسب، إلى حين “زيادة إستهلاكنا المحلي من هذه الأصناف”. زيادة الاستهلاك المحلي تلك، سياسة عالمية تتبعها دول عظمى كالولايات المتحدة الأميركية، وتسعى إليها دول صاعدة كالصين التي وضعتها في مخططاتها للعقود القادمة، إذ تحتاج إلى تغييرات بنيوية في التركيب الهيكلي للاقتصاد، وإلى رفع دخل الفرد إلى مستويات لائقة.
وكم تبدو سوريا اليوم، في ظل “القيادة الحكيمة”، بعيدة عن أي إستراتيجية اقتصادية ترفع من الإستهلاك الداخلي. فإستراتيجية تدمير الاقتصاد وسحق بنى المجتمع، وإفقار السوريين، هي الوحيدة القائمة والمتاحة لهذا النوع من الأنظمة.
يمكن القول أن العقود الثلاثة الماضية شهدت تدهوراً اقتصادياً واجتماعياً سريعاً وحاداً في ريف الساحل السوري. وتفاقمت معاناة الفلاحين بعد سلسلة من الإجراءات الإقتصادية الليبرالية. إذ رفعت الحكومة في العام 2008، الدعم عن المشتقات النفطية والمستلزمات الزراعية. ودأبت على تخفيض دعم الإنتاج الزراعي من 34 مليار ليرة في العام 2009 الى 24 ملياراً في العام 2012. ليؤدي ذلك إلى تراجع الإنتاجية الزراعية، وزيادة مساحة الأراضي غير المزروعة، وزيادة عدد الأسر الريفية غير الحائزة على الأراضي والتي لا تملك عملاً ثابتاً. ونمت تدريجياً طبقة العمال الزراعيين غير الحائزين على الأراضي، والذين وقعوا فريسة البطالة والفقر الشديدين.
وعليه، يبدو واضحاً أن النظام السوري قد عمل وبقصد صريح على إفقار السوريين أولاً، والفلاحين ثانياً، وفلاحي الساحل السوري على وجه خاص. وقد دفعهم ذاك الإفقار، وانسداد أفق العمل الزراعي، إلى التزاحم على طلب الوظيفة الحكومية في مؤسسات الدولة، بما في ذلك قطاعي الأمن والجيش، اللذين يستخدمهما النظام اليوم، في تدمير الاقتصاد والبلاد.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك