بين أَسَدَيْن!

الياس خوري | القدس العربي

مات آرييل شارون بعد موته السريري الطويل. مات الرجل منذ ثمانية أعوام وطواه ما يشبه النسيان. لكن وفاته اليوم تذكّرنا بموته وتفتح أبواب المراثي والأسئلة حول مساره السياسي وجرائمه و’بطولاته’.
رجل سيبقى في ذاكرة ضحاياه نموذجاً لجلاد لا يرتوي من الدم، وعسكري حول الحـــرب الى مذبحة علنية، من قبية في الضفة الغربية عام 1953 الى شاتيلا وصبرا عام 1982 وصولا الى جنين عام 2002.
لكن سيرة هذا الرجل تأخذنا الى ما هو أبعد من مجرد تعداد جرائمه، و قراءة مسار سياسي وعسكري تميز بالتقلّب الذي أخذ بطله من القمة الى الحضيض ليعيده الى القمة من جديد. فشارون دخل تاريخ المنطقة بصفته الفضيحة التي حاولت الأيديولوجية الصهيونية إخفاءها طويلاً. غادر حزب العمل، لأن الحزب لم يحتمل صراحته، ليجد لنفسه بيتاً مؤقتاً في الليكود، ثم انقلب على بيته الجديد ليؤسس حزب كاديما الذي ضم في صفوفه شمعون بيريس، أحد القادة التاريخيين لحزب العمل. صار في الوسط حيث استعاد لغته القديمة بعدما أضاف اليها الحقيقة التي رفض معظم الإسرائيليين الإعتراف بها، وهي أن حرب النكبة مستمرة، وأن هذه الحرب لن تنتهي، في العرف الإسرائيلي، إلا بعد تدمير الشعب الفلسطيني بشكل كامل واحتلال كل فلسطين.
بدأ شارون حياته العسكرية في لواء الكسندروني في الهاغانا، وكان ابنا لبن غوريون الذي كلفه بتأسيس الوحدة 101 التي قامت بمذبحة قبية.
لكن ابن بن غوريون وربيب موشيه دايان وزميل اسحاق رابين، لم يجد فرصته للوصول الى رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، في ظلّ اللغة المزدوجة التي يتقنها اليسار الصهيوني.
إنقلب على هذا اليسار كي يبقى مخلصاً للممارسات الوحشية التي رافقت تأسيس الدولة الصهيونية. فإسرائيل لم تتأسس إلا في مذابح اللد والرملة والطنطورة وعين الزيتون… لكن حلم استيطان ‘يهودا والسامرة’ واحتلال القدس لم يفارق لحظة المتخيل الصهيوني، الى أن جاءت لحظة الإحتلال بعد حرب 1967، لتعلن أن اسرائيل العمالية بقيادة غولدا مائير ليست معنية بالسلام، بل ان هدفها هو ابتلاع فلسطين وإحكام قبضتها على المنطقة. لذا أقيم الجدار الأول في سيناء الذي عرف باسم خط بارليف، قبل عقود من إقامة جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية.
شارون هو سر بن غوريون الذي رفض مؤسس الدولة إعلانه، فكان لا بد من جنرال متعجرف ولد سياسياً في شلال الدم الذي صنعته حرب النكبة، كي يكشف الحقيقة.
كان شارون واضحاً وبسيطاً، لذا سيدخل التاريخ بصفته الرجل الذي حرر إسرائيل من أكاذيبها: من كذبة طهارة السلاح الى كذبة الشعب الصغير المحاصر الذي لا يسعى إلا الى السلام. فهذا الرجل الذي ذهب في منطق القوة الى حد احتلال بيروت، رأى في إسرائيل مشروعاً إستعمارياً يستطيع أن يمتلك نفوذاً وسطوة في البقعة الممتدة من باكستان الى الشمال الافريقي! كما رأى في الاستيطان استكمالاً طبيعياً لدولة نشأت كمشروع استيطاني استعماري، وكان يحتقر لغة أدعياء السلام الذين يغطون الجريمة بقفازات من الكلام.
وسط الدم الفلسطيني اللبناني عام 1982 كانوا ينشدون له ‘أريك ملك لبنان’، لكن مملكته اللبنانية سرعان ما تداعت، فنقل عرشه جنوباً، وصار ملك اسرائيل، وسط الإنتفاضة الثانية، حين قرر حزب العمل الحاكم التنكر لاتفاق أوسلو لكنه لم يجد في صفوفه قائداً يستطيع أن يخون لغته الكاذبة.
حاول ملك إسرائيل أن ينهي الإنقسام الأيديولوجي بين التصحيحيين وبين اليسار العمالي، فأسس حزبه، لكنه لم يعش ليرى أعجوبة وأد اللغة القديمة، فتلاشى حزب كاديما وعاد الليكود الى الساحة ومعه يمين يتسيّد اللحظة الإسرائيلية الراهنة، ويسار فقد معناه حين تجاوز الزمن ازدواجية لغته، وتخطت العولمة اليمينية الرأسمالية دولته.
وملك اسرائيل هو أسدها ايضا. لا أدري لماذا لم يتوقف المحللون السياسيون عند اسم الرجل. فهو يدعى اريئيل، والكلمة هي مزج لكلمتين: ارييه وايل، وهي في هذا تشبه الكثير من الأسماء العبرية كعزرائيل…
اسم ملاك الموت عزرائيل يعني مساعد الله، فهو مؤلف من كلمتي عزرا اي مساعد وايل اي الله. اما ارييه فتعني الأسد، واريئيل تعني اسد الله.
انه أسد إسرائيل، يا للمصادفة! اسرائيل تملك أسدها ايضاً! وهذا الأسد الإسرائيلي هدد بن اليعازار (فؤاد) بفضح مشاركة الضباط الإسرائيليين الى جانب الضباط السوريين في مذبحة تل الزعتر، وذلك عندما كان نواب حزب العمل يشنون عليه الهجوم في الكنيست بعيد مذبحة شاتيلا وصبرا.
أسد هناك يهدد بكشف أسد هنا! الأسدان فضحا خطاب والديهما: أسد اسرئيل فضح خطاب بن غوريون المراوغ وكشف عمق تجذره في الجريمة، وأسد سورية فضح خطاب والده ‘القومي’ وكشف أن قوميته لم تكن الا غطاء لسحق الشعب السوري. وبينما اكتفى الأسد الإسرائيلي بقتل الشعب الفلسطيني ومحاولة سحقه، فإن الأسد السوري أضاف الى هذه الجريمة مشروع تحطيم سوريا وإحراقها.
أسدان يَلِغان في دم الضحايا، من تل الزعتر الى صبرا وشاتيلا، ومن جنين الى حلب، ومن ريف دمشق ومخيم اليرموك الى قرى فلسطين ودساكرها.
هذا ما كان يطلق عليه القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات اسم استراتيجية الأكورديون، التي تحققت حين أطبق الأسدان على المقاومة الفلسطينية عام 1982.
شارون مات لكن شرط مواجهة الأسد الإسرائيلي الذي يتابع سياسة الفتك بالفلسطينيين، هو الخلاص من الأسد الآخر، الذي ربض على القلوب والصدور أربعة عقود وكان أحد ملوك طوائف هذا الإنهيار العربي.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك