قروض متعثرة تغرق مصارف سوريا

سلام السعدي | جريدة المدن

تعاني البنوك العاملة في سورية من أزمة حادة بعد انخفاض سيولتها، وتفاقم نسبة القروض المتعثرة والمحتجزة لدى أفراد أو شركات امتنعت عن السداد لأسباب اقتصادية أو سياسية. ما استدعى تدخل الحكومة، وإقرار مشروع قانون يشجع المقترضين على السداد.
بعد مضي أشهر قليلة على اندلاع الثورة السورية، أدركت المصارف، الحكومية والخاصة، أن كرة الثلج ستواصل تدحرجها ونموها. وأن المخاطر، التي يألفها القطاع المصرفي ويتحسسها جيداً، سوف تنمو أيضاً، وقد تصبح مخاطر غير مألوفة من الممكن أن تعصف بوجود القطاع المصرفي برمته. الأمر الذي دفع المصارف إلى إيقاف معظم عمليات الإقراض بشكل مبكر، تحسباً لما قد حصل فعلاً، من هبوط حاد في قيمة الليرة السورية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وعدم قدرة المقترضين على السداد. غير أن ذلك لم يمنع من تراكم الديون المتعثرة، خصوصاً لدى المصارف الحكومية.
وفي محاولة من قبل الحكومة السورية لتحصيل قروض مصارفها المتداعية، أقر مجلس الوزراء قبل أيام مشروع قانون إعادة جدولة القروض المتعثرة الممنوحة لأصحاب الفعاليات الاقتصادية، بحيث يتم “الإعفاء من كامل فوائد التأخير والغرامات غير المسددة لغاية تاريخ توقيع اتفاق الجدولة”.
ويأتي القانون الجديد بحسب وزير المالية إسماعيل إسماعيل “نتيجة لمعاناة الكثير من المشاريع الاقتصادية، سواء الصناعية أو السياحية أو الخدمية، من الظروف الاقتصادية الصعبة، بسبب الأزمة التي تمر بها سورية”.
هذا فيما أشار حاكم مصرف سوريا المركزي أديب ميالة، إلى ضرورة “الأخذ بالحسبان آثار الأزمة على من تعثر خلالها وتحديد كيفية معالجة وضع قروضهم، بالنظر إلى أن التعثر جاء نتيجة ظروف عامة، ولم يكن نتيجة طريقة إدارتهم لمشاريعهم أو ظروف أخرى من صنع أيديهم”.
ولم تُعرف على نحو دقيق، القيمة الإجمالية للقروض المتعثرة للمصارف الحكومية، برغم التصريحات المتباينة التي تصدر عن المدراء العامين للمصارف. مدير المصرف الصناعي أنيس معراوي قال أن كتلة القروض المتعثرة في المصرف تصل قيمتها إلى 17 مليار ليرة. فيما سربت مواقع الكترونية مقربة من النظام أن القروض المتعثرة للمصرف العقاري قد تصل إلى 10 مليارات ليرة، وللمصرف التجاري 12 مليار ليرة.
أما المصارف الخاصة، فيقدّر خبراء مصرفيون، ومنذ أشهر، نسبة القروض المتعثرة بنحو 10 في المئة من إجمالي قروضها، أي ما يناهز 250 مليار ليرة سورية.
يوضح الباحث الاقتصادي عادل الفاضل، لـ”المدن”، أن “قيمة القروض المتعثرة في المصارف الحكومية هي أكبر بكثير مما يتم تسريبه أو الإعلان عنه”، خصوصاً ان “انحدار قيمة العملة السورية قد جعل جميع المقترضين تقريباً يمتنعون عن السداد، حتى غير المتعثرين منهم والذين يحتفظون بمدخراتهم بالدولار”. ويشير الفاضل إلى أن المصارف الخاصة حققت في النصف الأول من الأزمة أرباحاً استثنائية من جراء ارتفاع سعر صرف الدولار، غير أن انخفاض دخلها التشغيلي وانحدار قيمة أصولها بدأ يصبح مؤثراً في النصف الثاني من عمر الأزمة، إذ ارتفع منسوب الخسائر بإضطّراد ويكاد اليوم يغرقها”.
وقد أظهرت نتائج أعمال البنوك الخاصة العاملة في السوق السورية (14 بنكاً) للربع الثالث من العام الجاري 2013، ارتفاع إجمالي الخسائر بنحو 180 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2012، لتسجل اليوم 8.5 مليارات ليرة. فيما سجلت البنوك اللبنانية العاملة في سوريا خسائر قدرت بنحو 3 مليارات ليرة سورية.
وكان التقرير الأخير للمركز السوري لبحوث السياسات الصادر قبل نحو شهرين، قد أجمل خسائر القطاع المالي والعقاري بنحو 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وأوضح أن “الناتج المحلي لهذا القطاع انكمش بنحو 30 في المئة في العام 2012، وبنسبة إضافية في العام 2013 تبلغ 47.2 في المئة للربع الأول، و65 في المئة للربع الثاني”. وفسر ذلك بـ”الانكماش الهائل في النشاط الاقتصادي، والقيود المفروضة على العمليات المالية، وتدهور أسعار الصرف، والعقوبات الدولية المفروضة على القطاع المالي”.
وتشير تقارير إلى أن نسبة كبيرة من القروض المتعثرة تعود إلى رجال أعمال سوريين مقيمين في الخارج ويمارسون نشاطهم الاقتصادي بنجاح لكنهم يمتنعون عن السداد. ولا يقتصر الأمر على رجال الأعمال المعارضين للنظام السوري أو المنشقين عنه، بل ربما ينطبق ذلك بصورة أكبر على رجال أعمال معروفين بتأييدهم ودعمهم للنظام. إذ يمتنع رجل الأعمال السوري نبيل الكزبري عن سداد قروضه برغم تركّز نشاطه الاقتصادي في الخارج. ويرتبط الكزبري بصداقة وثيقة مع رجل الأعمال الشهير رامي مخلوف، كما عٌرف عنه دعمه النظام السوري إلى درجة استدعت وضعه في العام 2011 على لائحة العقوبات الأميركية، قبل رفع العقوبات عنه في شهر نيسان من العام الماضي.
كذلك هو الحال مع رجل الأعمال البارز ورئيس اتحاد غرف الصناعة السورية سابقاً عماد غريواتي، الذي يمتنع عن سداد مليارات الليرات للمصارف الحكومية والخاصة على السواء. وذلك برغم علاقاته الوثيقة مع النظام، ودوره الكبير في التكوين الاقتصادي والسياسي الأخير الذي وصل إليه النظام السوري قبل اندلاع الثورة. إذ يعتبر غريواتي من أبرز المساهمين في شركة شام القابضة، وفي بنك الشرق سورية، ومن مؤسسي قناة “الدنيا” الفضائية الموالية للنظام.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك