جنيف 2 يخيف النظام السوري.. اقتصاديا

سلام السعدي | جريدة المدن

قبل أشهر من اليوم، عندما بدأت التحضيرات الجادة لعقد مؤتمر جنيف 2، كان واضحاً للجميع أن هدف المؤتمر المذكور لدى انطلاق أعماله، سيكون التوصل إلى تسوية “توافقية” تقرر المستقبل السياسي والاقتصادي لسوريا. ما أشاع، حال التفكير به، خوفاً شديداً لدى النظام السوري. إذ انه، في هذا الكابوس الرهيب، سيتحول لأول مرة من “فرعون” يقرر وينفذ كل ما يحلو له، إلى مجرد “شريك” يصيغ بالتوافق مع شركاء آخرين مستقبل البلاد. ويبدو أن ذلك الخوف كان كفيلاً بانطلاق سلسلة من الإجراءات الأحادية الجانب على الصعيد الاقتصادي، كنوع من تكريس أمر واقع، قبل وفي أثناء عملية التفاوض.
فقبل أيام قليلة، استقبل رئيس مجلس الوزراء السوري وائل الحلقي، وفداَ من شركة “كانسي” الصينية. ناقش الاجتماع سبل البدء بإنشاء 12 ألف وحدة سكنية بصورة “سريعة” بذريعة كونها مساكن خاصة بـ”المهجرين”. فضلاً عن 25 ألف وحدة سكنية أخرى. ونقلت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” عن الحلقي دعوته “الشركات الصينية إلى المساهمة بمرحلة إعادة إعمار وبناء سورية، والتي سيتم تنفيذها بسواعد أبناء سورية وشركاتها الوطنية ومساهمة الأصدقاء”. وبالمثل أعلن معاون وزير الأشغال معلا الخضر، أن الوزارة تعمل على إنشاء “تحالفات مع شركات البناء المحلية والعالمية من الدول الصديقة، لاستقطابها وتنفيذ إعادة الإعمار بوسائط وتكنولوجيا البناء الحديثة”.
قبل ذلك بأيام فقط، أعلن وزير الصناعة السوري كمال الدين طعمة عن اتفاق مع شركة “كامك” الصينية، لتطوير خطوط وآلات الإنتاج في معمل إطارات في مدينة حماه. وقبله أيضاً صادقت رئاسة الوزراء على البدء بإنشاء مطحنة تلكلخ مع شركة “سوفو كريم” الروسية. كما وقعت عقداً آخر مع شركة “آروما سنين” الإيرانية لإنشاء خمس مطاحن موزعة على مناطق مختلفة من سورية (درعا، السويداء، الحسكة، الرقة).
وكانت صحيفة “الثورة” الحكومية قد أشارت نقلاً عن مصادر في وزارة الاقتصاد، إلى قرب توقيع خط ائتماني بين سورية وروسيا، وبيّن المصدر أن سوريا ستحتاج هذا القرض للنهوض بقطاعها الصناعي الأساسي بعد التخريب الذي لحق ببنيتها الصناعية، فضلاً عن الحاجة له “في مرحلة إعادة الاعمار”.
جهود حثيثة إذن، تبذلها الحكومة السورية مع حلفائها للسيطرة على مستقبل سوريا الاقتصادي، أو لضمان وضع قدم ثابتة في ذاك المستقبل، خصوصاً على مستوى الاستثمار الذي توجت جهودها فيه مؤخراً بتوقيع اتفاقية مع شركة “سيوزنفتا غاز” الروسية للتنقيب والحفر في منطقة قبالة الساحل السوري يتوقع أنها غنية بالنفط والغاز، مقابل حصة روسية مهيمنة ولمدة 25 عاماً. ويبدو مفهوماً أن يسيل لعاب حلفاء النظام أمام الاستثمار الأضخم في الفترة القادمة في قطاع المساكن والبنية التحتية، خصوصاً بعد تضرر نحو 1.5 مليون منزل بصورة جزئية أو كلية، قد تصل تكلفة إعادة اعمارها إلى نحو 100 مليار دولار.
انه السعي المحموم ذاته، الذي عودنا عليه النظام السوري وهو يعيش حالة إنكار تامة للواقع وتطوراته. فالنظام وحتى بعد إرغامه على حضور مؤتمر “جنيف 2” من أجل التوصل إلى حل سياسي “دولي” بقي خلال أيام المؤتمر مشدوهاً وغير مصدق لما يجري من حوله، فتمسك بروايته للأحداث في سوريا وبحلّه السياسي الخاص بعيداً عن اتفاق “جنيف 1”. كذلك الأمر على المستوى الاقتصادي، إذ أن للنظام برنامج عمل اقتصادي خاص، وخطة اعمار خاصة، تتجاهلان برعونة بالغة أنهما تخصان فقط ذلك الجزء الذي يسيطر عليه من البلاد، وأن خطة إعادة الاعمار الأكبر والأهم ستكون من نصيب الجزء الذي دمره النظام عبر ثلاث سنوات بعد أن خرج عن سيطرته. على الأرجح، وكما يرتسم الحل السياسي اليوم بجهود دولية، فإن خطة إعادة الإعمار ستكون دولية بامتياز، ولن تقتصر على “الأصدقاء”، كما يشتهي النظام السوري وحلفاؤه.
بعيداً عن الأحلام والأوهام، يجري إعداد خطط دولية عديدة لإعادة الاعمار، أبرزها خطة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “الاسكوا”، التي يعكف ستة من أعضاءها برئاسة المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة السورية عبد الله الدردري على رسم تفاصيلها. وتقدر “الاسكوا” خسائر قطاع السكن في سوريا مع نهاية العام 2013 بنحو 700 مليار ليرة سورية. وهو ما يتطلب تشييد 400 ألف منزل جديد بالكامل، تقع جميعها تقريباً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتنتظر رحيله مع خططه الاقتصادية، من أجل وقف التدمير أولاً، ومن ثم الشروع في عملية إعادة الإعمار.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك