جنيف 2.. انتصار دبلوماسي للمعارضة

دينا أبي صعب | جريدة المدن

رغم الضغوط النفسية التي سبقت انعقاد “جنيف 2” من خلال تصوير وفد الحكومة السورية، ولا سيما وزير الخارجية، وليد المعلم، بأنه “داهية دبلوماسية”، صمد وفد المعارضة السورية حتى اللحظة الأخيرة، وتفوق أحياناً كثيرة على خصمه مظهراً إياه في موقع ضعيف.

حمل وفد المعارضة السورية عنواناً عريضاً وأتى به إلى جنيف، مطالباً بتشكيل الهيئة الانتقالية ذات الصلاحيات التنفيذية الكاملة، ودافع عنه بشراسة رغم عدد كبير من المطبات والأفخاخ التي نصبها وفد الحكومة طيلة أيام المفاوضات.

المطب الأول كان محاولة النظام استبعاد بند تشكيل الهيئة الانتقالية من النقاش، محاولاً دفع فريق المعارضة إلى مناقشة أمور أخرى وتحويل نظرها عن الهدف الأساس من خلال طرح أولوية مكافحة الإرهاب كبند أول وشرط للانطلاق في مناقشة البنود الثانية. لكنه عاد ورضخ تحت إصرار الفريق المعارض، وقبل بمناقشة الهيئة الانتقالية، مع الاحتفاظ دائماً بسلاح المناورة، فطرح ورقة سياسية من خمس نقاط عامة قدمها على الطاولة. تلك الورقة تصلح لخطاب سياسي أكثر منها لورقة نقاش في مفاوضات مصيرية.

المطب الثاني كان من خلال استغلال طرح الملف الإنساني لمدينة حمص القديمة وهنا حاول النظام التمترس خلف اقتراح إخراج مشروط للمدنيين بتقديم لوائح بالأسماء “خوفاً من أن يكون بينهم مسلحون”.

وبما أن تجارب النظام في مثل هذه الحالات معروفة سلفاً وعادة ما يعمل النظام على تسهيل خروج الناس ليعتقلهم بعد ذلك، رفض الوفد المعارض هذا الطرح مستنداً إلى مناداة المدنيين في حمص القديمة، الذين رفضوا بدورهم الخروج من منازلهم، وطالبوا بإدخال المواد الغذائية عوض الخروج للحصول عليها، وبقيت هذه المسألة من دون حل حتى اليوم الثامن من المفاوضات.

وبما يخص المطب الثالث، استغل النظام السوري قرار الكونغرس الأميركي باستئناف تزويد المعارضة السورية المعتدلة بأسلحة غير فتاكة ليحرف النقاش في جنيف من تناول الحل السياسي للأزمة السورية إلى اشتباك مباشر مع الأميركيين، متهماً إياهم بدعم الإرهاب، مطالباً بنفس الوقت فريق المعارضة بتوقيع ورقة تدين الخطوة الأميركية، وكان رد المعارضة على طاولة المفاوضات أن ما يقدمه الأميركيون من أسلحة لا توازي شيئاً مما تقدمه إيران وحزب الله ولواء أبو فضل العباس من سلاح ومقاتلين إلى جانب النظام.

أما المطب الرابع والأخير، فكان في فرض النظام على طاولة المفاوضات مناقشة البند المتعلق بوقف العنف في بيان “جنيف 1″، معتبراً أنه استطاع أخيراً أن يحوّل النقاش من الهيئة الانتقالية إلى “مكافحة الارهاب”، وهنا أيضاً تقدم الوفد النظامي بورقة تتضمن بنوداً وآلية لمكافحة الإرهاب مطالباً وفد المعارضة بتبنيها.

فريق المعارضة، في اليوم السابع للمفاوضات، كان جاهزاً لهذا المطلب، وحضر له ما يملك من وثائق ومعلومات، من بينها تقديم وثيقة أولية للأمم المتحدة تتضمن أسماء 2878 شخصاً قتلوا تحت التعذيب في سجون النظام مع تواريخ توقيفهم وأمكنة اعتقالهم وتاريخ الوفاة.
كما تقدم الوفد المعارض بمداخلة أثبتت أن الجيش الحر والمجموعات المسلحة الحليفة، هي التي تقاتل التنظيمات المتشددة، مثل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” لافتاً إلى أن النظام السوري يتعاون ميدانياً مع هذه التنظيمات.

وأكدت أوساط الوفد المعارض لـ”المدن” امتلاك المعارضة السورية وثائق تثبت التعاون بين “داعش” والنظام، وأن قوات النظام قصفت مرات عديدة مناطق كان يسيطر عليها الجيش الحر كتغطية لتقدم مقاتلي “داعش”.

واستند وفد المعارضة أيضاً في مواجهة طرح “مكافحة الارهاب” من قبل فريق النظام إلى التقرير الذي أصدرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في اليوم ذاته، الذي يثبت ارتكاب جرائم حرب من قبل النظام، جراء استخدامه البراميل المتفجرة على مساحات واسعة من المناطق السكنية التابعة للمعارضة.

وكانت المفاجأة في اليوم قبل الأخير من المفاوضات، تمكن الوفد المعارض من إحراج وفد الحكومة بطرحه الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح شهداء سوريا، بغض النظر عن انتمائهم السياسي.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت مصادر في المعارضة لـ”المدن” إن وفد النظام برئاسة السفير السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري “حاول بداية التملص من هذه الدعوة باستعراضه المرات العديدة التي طالب بها الوقوف دقيقة صمت في أكثر من محفل دولي وعربي ولم تلب الدعوة،”. وأضافت المصادر “بعد ذلك تحول (وفد الحكومة) إلى المزايدة على الطلب من المعارضة الوقوف ثلاث دقائق قبل الاستجابة للدعوة.

إذاً انتهت الجولة الأولى من المفاوضات، لكن، في الوقت الفاصل بين جولتي التفاوض، التي حدد تاريخ العاشر من شباط/فبراير المقبل موعداً للجولة الثانية، يخرج الوفد المعارض من هذه الجولة بانطباع المنتصر، أقله على المستوى الدبلوماسي، بعدما انتزع من السلطة وصفها كحاكم للدولة، وبالتالي تقليص حجمها وإجبارها على الاعتراف بأنها طرف.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك