في جنيف: إعلاميون برتب عسكرية

فادي الداهوك | جريدة المدن

دكتور بشار الجعفري شرفتنا، أهلا وسهلا، أهلا وسهلا.. شرفتنا”، تقول موفدة التلفزيون السوري إلى جنيف، إليسار معلا، ويرد الدكتور “صباح الخير.. صباح النور ست إليسار.. كيف أمورك؟”. بهذه الطريقة بدأت موفدة أخبار التلفزيون السوري تقريرها الإخباري الأول. لوهلة، يبدو للمشاهد أن اللقاء الذي تجريه المراسلة يحصل أثناء معرض للزهور في حديقة تشرين في دمشق مثلاً، وليس أثناء حدث، يفترض أنه مصيري لشعب وبلد، واجتمعت كل الدول من أجله.

لا تختلف رواية الإعلام السوري لجنيف عن رواياته للجماعات المسلحة والإرهابيين، وحبوب قناة الجزيرة التي كان يبتلعها المتظاهرون قبل كل تظاهرة، فصوّر ما يحصل في جنيف على أنه انتصار الخير المتمثل بوفد الحكومة على الشر المتمثل بوفد المعارضة.
ويظهر اهتمام النظام السوري بالجانب الإعلامي لمؤتمر “جنيف 2” بشكل جلي، إذ لم تكن الترسانة الإعلامية، المكونة من خمسين صحافياً، التي رافقت وفد الحكومة السورية من دمشق إلى جنيف، مجرد وفدٍ عادي.

انتقاء الأسماء كان دقيقاً جداً، كما الانتماء الطائفي، الذي شكّل عصب تلك الترسانة وكان محركاً أساسياً لها، يعطيها الأوامر وكأنها قطعة عسكرية، لا سيّما في اللحظات التي سبقت المؤتمرات الصحافية، إذ كان الحصول على فرصة طرح سؤال على متحدث في المؤتمر يتطلب تسجيل دورٍ ومن ثم تخضع الأسماء للغربلة. هذه الغربلة كانت تظهر بشكل فاضح خلال المؤتمرات الصحافية لوفد الحكومة، إذ من أصل 15 سؤالاً وجهه الصحافيون لوزير الخارجية السورية، وليد المعلم، حظي وفد الإعلام السوري الرسمي بتسعة أسئلة منها تم الاتفاق عليها مسبقاً مع قائد الترسانة. ذلك القائد هو مدير إذاعة “شام أف أم” الذي كان مسموحاً له، وحده، أن يجري لقاءات مع أعضاء وفد الحكومة بكاميرا جوّالة أو كاميرا منزلية، ويبثها عبر الانترنت.

ولم يغير الإعلاميون المحسوبون على ملاك الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في سوريا، من سلوكهم الفضائحي أو التشبيحي. ذلك السلوك ظهر في اليوم الافتتاحي للمؤتمر. بعد دقائق من بدء استراحة الغداء في اليوم الافتتاحي، بدأت صور إعلاميي النظام بالظهور في مواقع التواصل الاجتماعي، وكان أبرز ما تداوله النشطاء، صورة لمراسل قناة سما السورية، فراس مارديني، وهو جالس في قاعة الصحافيين يشرب “المتة”.

وتمادى السلوك التشبيحي لهؤلاء، في الكثير من المرات، حتى ليظن المرء أنه أمام ضابط مخابرات أو قائد عسكري. لعلّ المؤتمر الصحافي الذي أجراه نائب وزير الخارجية، فيصل المقداد، في الجولة ما قبل الأخيرة من المفاوضات، أكبر دليل على مدى التشوه الذي يحمله صحافيو النظام، لا سيّما عندما حاولت هناء الصالح، ضرب مايكروفون تلفزيون “أورينت” الذي وجه مراسله سؤال محرجاً للمقداد، ليلتف حول المقداد مراسلون للتلفزيون السوري الرسمي ووكالة “سانا”، إلى جانب الصالح، يجيبون عن المقداد ويشوّشون على الأسئلة التي تسبب إحراجاً له.

ولم يقتصر تشبيح صحافيي وفد النظام على نظرائهم من الصحافيين أو على الشخصيات المعارضة، بل وصل بهم الأمر إلى التشبيح على والدة الطبيب البريطاني، عباس خان، الذي قتل في سجون النظام السوري. إحدى مراسلات “سانا”، لاحقت والدة الطبيب وبدأت باستفزازها فخرجت المراسلة بتقرير على وكالة “سانا”، بعنوان “مسرحية جديدة في استثارة الرأي العام بجنيف.. بطلها معارضون يدعمون الإرهاب وأداتها والدة الطبيب خان”.

كذلك استدعى الحرج الذي سببته والدة الطبيب، إلى إجراء مقابلة كاملة حول قضيته، أجراها مدير إذاعة “شام أف أم” بجواله أو الكاميرا المنزلية، مع المقداد، فأجاب الأخير، أن الطبيب ببساطة، انتحر، معللاً سبب انتحاره بأنه إرهابي، والإرهابي ينشر ثقافة الموت ولا يحبّ الحياة!

وتعامل صحافيو النظام مع المؤتمرات الصحافية التي أجراها الإبراهيمي كأن من يجريها هو وزير الإعلام، عمران الزعبي، أو ناطق باسم الحكومة السورية، إضافة إلى أن مجمل الأسئلة تماهت مع خطاب وفد الحكومة الذي أصر على تضييع الوقت خلال الجلسات، في نقاش الإرهاب، فمثلاً المذيعة في قناة “سما”، هناء الصالح، كانت تروي للإبراهيمي في إحدى مؤتمراته، قصص الإرهابيين في سوريا وما يفعلونه في منطقة عدرا العمالية، ليبادرها هو بسؤال: “ما الذي تريدينني أن أقوله يعني؟”.

وأمام تلك الصورة المشوهة التي حملها صحافيو النظام، برز إعلام سوري حقيقي، أو ما يسمى بالإعلام البديل، أثبت العاملون فيه أنهم إعلاميون يحترفون المهنة، ويتفوّقون على جحافل الصحافيين التي جرها وفد الحكومة خلفه من دمشق إلى جنيف. هؤلاء هم صحافيون بالأصل، أبرز اثنين منهم كانا مراسل “راديو الكل”، أحمد زكريا، ومراسل “راديو أنا”، رامي الجراح، الذي ترك آلة التسجيل وأخذ يواسي والدة الطبيب عباس خان بعدما هاجمتها قوات الإعلام السوري.

الجراح وزكريا، كانا يطلقان أسئلتهما في وجه مسؤولي النظام، وفي كل مرة تلقوا شتيمة بدلاً من الإجابة، بعدما بلغ الحرج بالمسؤولين مبلغه، وهم الذين لم يعتادوا تلقي أسئلة غير تلك التي تطرح عليهم في دمشق، منذ أكثر من سنتين ونصف، فصاروا يهربون.

إذاً، للمرة الأولى، كان المعلم والزعبي والمقداد والجعفري وشعبان عرضة للأسئلة المحرجة. أسئلة تخلو من السذاجة أو طلب التحدث عن انتصارات الجيش على الإرهابيين. أسئلة تمحورت حول البراميل التي تهدم المنازل على رؤوس ساكنيها في حلب، وحول كذبة أن النظام يحارب داعش. فما كان من وزير الإعلام السوري، عمران الزعبي، إلا أن ولّى هارباً من سؤال مراسل “راديو أنا” الذي لاحقه: “يا سيادة الوزير جاوبني.. شو تعليقك على البراميل، طيب ليش ما عم تقصفوا داعش، يا سيادة الوزير..”

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك