في الشرق السوري: شيوخ العشائر يفقدون سطوتهم

علاء حلبي | جريدة السفير

هناك في الشرق المنسي، الغائب عن المشهد الإعلامي السوري، يبدو أن أموراً كثيرة قد غيرتها الحرب. فالجزيرة السورية، معقل العشائر، باتت اليوم معقلاً لحرب من نوع آخر، حرب لم يعد لعباءة الشيخ أو «عقاله» سلطة فيها، تختلط فيها الدماء بالنفط، وتفوح من أرجائها رائحة البارود الذي يبدو أنه تمكن من الانتماء العشائري وسطوته، معلناً بدء حقبة انتماءات جديدة، بعضها أيديولوجي، والبعض الآخر ثأري، لا تبدو نهايته مرتبطة بنتائج اتفاقات دولية.
قبل ثلاثة أعوام، كان المشهد في الجزيرة السورية (الحسكة، دير الزور، والرقة) مختلفاً عما هو عليه الآن، حيث كانت تبدو المنطقة التي تحتضن مجموعة من القبائل (أبرزها: العكيدات، البقارة، طي، الجبور، شمّر.. وغيرها يتفرع منها عدد كبير من العشائر) متماسكة متشابكة ومتوازنة، تمكن «حزب البعث» الحاكم من الحفاظ عليها عبر سلسلة من التقسيمات الإدارية تضمن لعشائر تلك المناطق وجودها وتمثيلها، سواء في المراكز الإدارية، أو في مجلس الشعب السوري، الذي حرص البعث على وجود شيوخ عشائر تلك المنطقة تحت قبته، بالإضافة إلى عمل قاعدته الشعبية، حيث انضم إلى صفوفه عدد كبير من أبناء العشائر (غالبيتهم من أبناء الريف)، كما انضم عدد كبير إلى صفوف الجيش والأمن والشرطة.
وبالرغم من تماسك المشهد وترابطه، إلا انه مع بداية الأزمة السورية في شهر آذار العام 2011، بدأت الثغرات تظهر فيه، لتظهر هشاشة التركيب العشائري أمام المد الأيديولوجي، والانتماءات الأخرى، ما أدى إلى تغير الأوضاع على الأرض تدريجياً.
في هذا السياق، يقول محمد صالح الفتيح، وهو أكاديمي من دير الزور إنه «منذ تفجر الوضع في آذار 2011، غاب دور شيوخ العشائر. ففي البداية اختارت غالبية شيوخ العشائر الصمت ومراقبة الوضع، في حين أعلن البعض منهم مساندتهم للحكومة السورية».
ويضيف الفتيح في حديثه إلى «السفير»، أنه «لاحقاً، عندما تأزم الوضع في دير الزور مع انتشار الحواجز داخل المدينة صباح يوم الخميس 28 تموز 2011 وبدء حركة النزوح من المدينة مع توقع دخول الجيش إلى المدينة، وهو ما حصل بعد حوالي أسبوعين، حصلت مبادرة من بعض شيوخ العشائر الذين نقلوا مطالب المعتصمين، وكانت لخصت يومها بـ14 مطلباً، منها إطلاق سراح بعض المعتقلين (كان بينهم يومها أحمد طعمة، رئيس «حكومة المعارضة الانتقالية» في المنفى) والتعهد بعدم التعرض للمتظاهرين والمعتصمين والناشطين عموماً، والتعهد بعدم دخول الجيش إلى المدينة. يومها حصل الشيوخ على موافقة محافظ دير الزور على 13 بنداً، وبقي بند عدم دخول الجيش ينتظر موافقة من القيادة العليا كون الموضوع خارج صلاحيات المحافظ».
ويتابع «يومها رفض المعتصمون مبادرة الشيوخ، وأصروا على الاستمرار في وضع الحواجز. لعل هذا الرفض هو الأول من نوعه على قرارات يشارك فيها شيوخ العشائر».
بعد هذا «العصيان»، بدأ دور شيوخ العشائر يتقلص بشكل متتال، بالتوازي مع ظهور تشكيلات جديدة كانت السمة البارزة لها المزايدة على خطاب الشارع وقطع الصلة مع التيارات المعتدلة والمتزنة ومحاربة الدور التقليدي للقيادات السابقة، من منطلق أنها من صنيعة النظام وأنها تحاول المحافظة على مكاسبها السابقة.
وعن الأمور التي ساعدت في تعزيز دور القيادات والكيانات الاجتماعية الجديدة، يقول الفتيح إنها «الأموال المتدفقة من الخليج في البداية، ومنحهم دوراً كبيراً وأهمية عبر وسائل الإعلام، ثم لاحقاً تمكنهم من تكوين كيانات مسلحة سرعان ما أصبحت قادرة على الاستقلال الذاتي مع سيطرتها على العديد من الموارد لعل أبرزها النفط».
وبالإضافة إلى ما سبق، يرى أحد شيوخ العشائر (فضل عدم الكشف عن اسمه) عوامل أخرى ساعدت على تفكك التركيبة العشائرية، أبرزها «انفصال شيوخ العشائر عن واقعهم، وعن بيئتهم».
ويشرح أنه «في السنوات الماضية ظهرت فجوة كبيرة بين شيخ العشيرة وأفراد عشيرته، فالشيوخ الذين يتقاسمون المناصب أغرتهم الحياة في دمشق، وانشغلوا بأعمالهم الخاصة، متناسين هموم ومشاكل المواطنين»، مضيفاً أن «ما يعطي شيخ العشيرة ثقله هو وجوده بين أفراد عشيرته، ومتابعته لقضاياهم، وهو أمر تلاشى في السنوات الماضية، بالتزامن مع موجة التصحر التي ضربت المنطقة الشرقية ودفع عدد كبير من المواطنين للنزوح إلى مناطق أخرى، وأفقد كثيرين مصادر رزقهم، فتشكل خليط جديد فقير وبعيد عن ارتباطه العشائري المناطقي، وأمام عجز شيوخ العشائر وانفصالهم عن واقعهم خلقت هوة كبيرة كانت بوابة واسعة لأي تدخل يغير من شكل المنطقة».
تجدر الإشارة إلى أن موجة جفاف كبيرة ضربت المنطقة الشرقية في سوريا في الأعوام السابقة لاندلاع الأزمة، بدأت في العام 2007، وتسببت بانخفاض إنتاج القمح غير المروي في تلك المناطق بنسبة قدرتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» حينها بحوالي 82 في المئة، دفعت سوريا في العام 2008 إلى استيراد القمح للمرة الأولى حينها، وأعلنت في العام 2008 أن الجفاف أضر بحوالي مليون شخص، نزح قسم كبير منهم إلى مناطق أخرى، وعانى من تبقى من البطالة، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية في سوريا.
ومع اتساع نطاق الأزمة، وتدفق السلاح والمال إلى المنطقة، تحولت الجزيرة السورية إلى معقل لمجموعة كبيرة من الفصائل المسلحة (يقدر عدد الفصائل المسلحة الكبيرة في المنطقة الشرقية حالياً بنحو 30 فصيلاً، أبرزها «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة»)، التي بدأت تتسع قاعدة نفوذها تدريجاً، لدوافع عديدة، يرى أحد وجهاء الحسكة أن أبرزها كان «الفقر الشديد والبطالة في البداية».
ويتابع «مع توافد مسلحين يحملون أيديولوجيات جديدة إلى المنطقة، ومع ارتفاع وتيرة التحريض الطائفي عبر وسائل الإعلام، شهد المجتمع العشائري انقلابات عديدة، وخروجا جماعيا عن سلطة شيخ العشيرة إلى سلطة رجل الدين».
ورغم ارتفاع وتيرة المعارك، وعمليات الخطف والقتل، التزم شيوخ العشائر الصمت، ولم يصدر عن أي منهم مبادرة لحقن الدماء، أو محاولة للحيلولة دون استمرار هذه المعارك، وهو دليل استند إليه مصدر متابع لملف العشائر في سوريا خلال توصيفه للوضع الحالي، معتبراً أن «شيوخ العشائر فهموا أن سلطتهم زالت، فالتزموا الحياد، ومارسوا دورهم بشكل إعلامي في قاعات الاجتماعات بعيداً عن عشائرهم».
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن معظم شيوخ ووجهاء العشائر حافظوا على انتمائهم المؤيد للحكومة، ويعيش معظمهم في الوقت الحالي في دمشق، في حين تعرض شيوخ ووجهاء كثيرون لعمليات خطف وتصفية، كان آخرهم مهنا الفياض الناصر، وهو الشيخ الحالي لعشيرة «البوسرايا»، وهي عشيرة كبيرة تنتشر في الريف الشرقي من دير الزور، كما أنه عضو في مجلس الشعب، اختطف من منزله منذ أواخر تشرين الأول 2013 (أعلن عن خطفه في 29 تشرين الأول)، قبل أن تتم تصفيته لاحقاً، كذلك الحال بالنسبة إلى مجحم إبراهيم السهو، عضو مجلس الشعب السوري الذي قتل في تشرين الثاني 2013 بعد اختطافه بفترة قصيرة.
ولا يقتصر الخروج من عباءة شيخ العشيرة على المؤيدين للحكومة، فحتى شيوخ العشائر أو الوجهاء الذين أبدوا موقفهم المعارض لا يتمتعون بأية سلطة عشائرية في الوقت الحالي، بحسب ما يؤكد المصدر لـ«السفير»، والذي يضرب مثالاً على ذلك بالشيخ نواف الفارس، أحد وجهاء قبيلة «العكيدات»، والذي شغل مناصب سياسية وأمنية عدة في الحكومة السورية خلال مسيرته، قبل أن يعلن انشقاقه. والشيخ نواف راغب البشير شيخ الذي اعتقل فترة، قبل أن يتم إطلاق سراحه ويهرب إلى تركيا، وابن شقيقته الشيخ محمد الحلو أحد وجهاء عشيرة «عدوان» وعضو مجلس الشعب الذي أعلن انشقاقه بعد دخول المسلحين إلى مدينته رأس العين شمالي الحسكة في نهاية العام 2012 على الحدود السورية التركية.
ويشرح المصدر أن «خروج هؤلاء وإعلانهم موقفاً معارضاً للنظام لم يسببا خروج عشيرتهم بشكل كامل عن موقفها. فمثلاً الشيخ فواز البشير ابن عم الشيخ نواف البشير موقفه مؤيد وبشدة للحكومة، ما يعني أن سطوة شيخ العشيرة حتى في المقلب الآخر (المعارض) لم تعد موجودة».
ويضيف أن «صورة الانتماء في الوقت الحالي هي شخصية بحتة، بعيدة عن العشيرة، فكل شخص اختار طريقه، كثيرون اختاروا الوقوف إلى جانب الحكومة، والقتال في صفوف الجيش، وقوى الأمن، وكثيرون أيضاً اختاروا الانخراط في العمل المسلح ضد الحكومة، أو الانتساب إلى فصائل جهادية حيث نشبت صراعات أسالت الدماء بين أبناء العمومة أنفسهم، ما خلق نوعاً جديداً من الثأر داخل العشيرة الواحدة».
ويضرب المصدر مثالاً آخر على حالة التشرذم التي أصابت المجتمع العشائري في مدينة دير الزور، قائلاً «تتعرض أجزاء من المدينة اليوم ومنذ العاشر من تشرين الثاني الماضي لحصار من قبل مقاتلين يشكل أبناء العشائر قسماً كبيراً منهم. هذا الحصار القائم يمنع دخول الخبز والطحين والمحروقات والمواد الغذائية».
ويضيف أنه «خلال الأشهر الماضية، كان هؤلاء المقاتلون يلجأون إلى قطع خطوط الغاز والكهرباء وأحياناً الاتصالات، ولا سيما في منطقة غباغب، ولا يسمحون بعودتها إلا بعد دفع مبالغ مالية كبيرة من قبل الحكومة. في إحدى الحالات تم تفجير خط غاز يغذي محطات توليد الكهرباء ولم يسمح المقاتلون بدخول ورشات الإصلاح إلا بعد دفع 50 مليون ليرة سورية».
وأمام حالة التشرذم في الوقت الحالي، لا يبدو أن غياب دور القيادات التقليدية وشيوخ العشائر سيتبدل وأن السلطة ستعود إلى عباءة شيخ العشيرة قريباً، حيث يرى الأكاديمي فتيح أن «مثل هذا التغيير يتطلب تغيير الوضع الميداني وتقليل الخطر الذي تشكله الكيانات الجديدة»، الأمر الذي من شأنه أن يعيد هيبة الدولة ومن يواليها من شيوخ العشائر، وهو موضوع يرى أحد شيوخ قبيلة «العكيدات» أنه بعيد المنال في ظل خروج معظم مناطق الجزيرة عن سلطة الحكومة، والتي تقتصر سلطتها في الوقت الحالي على مدينة الحسكة وبعض المناطق القريبة منها، وبعض الأحياء في دير الزور، بالإضافة إلى القامشلي الخاضعة في الوقت الحالي لسلطة الأكراد، ما يعني، بحسب المصدر، أن أي تحرك عسكري كبير في هذه المناطق من شأنه أن يتسبب بمقتل الآلاف وزيادة الفجوة والهوة في المجتمع.
وعن المستقبل المتوقع في المنطقة، يشير الشيخ إلى أن أفضل الحلول للمنطقة هو «تجفيف موارد السلاح وضخ الأموال، وتخفيف الزخم الإعلامي الذي يلعب على الوتر الطائفي الذي أشعل المنطقة، وتشكيل هيئات مصالحة كبيرة من شأنها أن تحاول تضميد الجراح، والعمل على تخليص المنطقة من الفكر المتطرف الذي يتجذر وينمو بشكل كبير فيها»، وهو ما يبدو بعيداً عن التحقق في الوقت الحالي، ما يعني استمرار نزف الدماء.
ويختم الشيخ حديثه بالقول «حتى وإن توقفت الحرب، لا يبدو أن سلطة شيخ العشيرة ستعود، وإن عادت فلن تعود كما كانت على الإطلاق».

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك