النظام السوري يوزع المساعدات على ..مجتمعه المدني

سلام السعدي | جريدة المدن

بعدما تسبب النظام بنزوح ملايين السوريين في مختلف المدن، سعى لإبداء الحرص على ضحاياه، “ضحايا الإرهاب”، فقدم الإغاثة لأعداد محدودة منهم استقرت في “مراكز الإيواء”، وكانت تلك فرصة نادرة لانتعاش نوع خاص من “المجتمع المدني”، شبيه جداً بالنظام.
تعد “مراكز الإيواء”، كما تطلق عليها الحكومة السورية، تجمعات سكنية صغيرة مؤقتة، أقيمت في عدد من المدارس والمنشآت العامة في المدن التي لا تزال خاضعة لسيطرة النظام. يبلغ عددها نحو 800 مركز، تؤوي نحو 160 ألف نازح سوري.
وتعمل عشرات الهيئات والمؤسسات “غير الحكومية” على تأمين كل مستلزمات تلك المراكز، فتؤمن الغذاء بشكل يومي، والخدمات المختلفة من ماء وكهرباء وتدفئة وملابس وعناية صحية. فضلاً عن البرامج التربوية والتعليمية والترفيهية والنفسية للأطفال النازحين. هذا ما يفاخر ويتاجر به النظام السوري في وسائل إعلامه، ويا له من ثمن بخس، أن تقدم الإغاثة لأقل من 2 في المئة من مجموع النازحين واللاجئين السوريين الذين قمت بتهجيرهم، وتظهر مع ذلك – أو تظن انك تظهر- بصورة نظام وطني حريص على “الشعب”.
لا يمكن لإعلام النظام أن يشير طبعاً إلى معاناة الأسر القاطنة التي تُحشر في غرف صغيرة يفصل بينها ستار رقيق، وإلى شعورها المرير بأنها تقبع في ما يشبه معسكر اعتقال، مع انتشار عناصر الأمن المسلحين في كل مكان. وهو ما دفع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لتوقيع اتفاقية مع الحكومة السورية لإنشاء 200 وحدة سكنية كمراكز إيواء مؤقتة تهدف إلى “تحسين ظروف معيشة النازحين”.
وفيما تخضع تلك المراكز لإشراف ورقابة الحكومة السورية، يقوم بالعمل الفعلي عدد من الجمعيات والمؤسسات “غير الحكومية” التي ارتفع عددها بشكل كبير خلال العامين الماضيين. وقد كانت تلك محاولة من قبل النظام لتخفيف الأعباء عنه، وإلقاء جزء منها على كاهل “مجتمع مدني” من نوع خاص، يناسب دولة البعث.
فبخلاف الدول الديمقراطية، حيث تنشأ علاقة توتر دائمة بين المجتمع المدني والدولة، يحرص النظام السوري على أن ينشأ المجتمع المدني من رحمه مباشرة، ويبقى في جو من الود والتعاون والعمالة المستمرة له.
إذ تقوم المنظمات غير الحكومية بتسجيل نفسها لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهي وزارة متواضعة الموارد والخبرات، ولديها ارتباط مباشر مع أجهزة الأمن. تتحقق الوزارة من الأشخاص المشاركين بالجمعية، وبعد الموافقة عليها، يتم إلزامها بإطلاع الوزارة على محاضر اجتماعاتها والبيانات المالية بصورة دورية، وعليها أن تتقبل بصدر رحب حضور ممثل عن الوزارة لاجتماعاتها، كما عليها الالتزام بالأنشطة المبينة في أهدافها وإلا تعرضت للإغلاق. وأخيراً، لا يسمح لها بالاتصال مع المنظمات غير الحكومية الدولية أو تلقي التمويل الخارجي دون أن تكون الوزارة وسيطاً في هذا الصدد، ولها أن تقبل أو ترفض.
هذا الواقع جعل المؤسسات “غير الحكومية” التي تعمل في مجال حساس كإغاثة النازحين تقتصر على تلك المقربة أو المنبثقة مباشرة من دوائر النظام، وأشهرها على الإطلاق اليوم هي “الأمانة السورية للتنمية” التي تترأس مجلس إدارتها أسماء الأسد.
تدير “الأمانة” نحو 22 مركزاً للنازحين، كما تدير مشاريع عديدة تستهدف الشباب والأطفال. وبالرغم من القيود الحكومية على المجتمع المدني، تحلق “الأمانة” خارج السرب، إذ تحظى بتمويل سخي جداً. ويتضح ذلك من خلال موظفيها الذين يختارون بعناية من شريحة الشباب المتعلم تعليماً جيداً والمتحدثين بلغات عديدة، أي المنتمين إلى الطبقة الوسطى العليا والطبقة الغنية، وتدفع رواتب مجزية ومثيرة للإهتمام مقارنة مع المنظمات الأخرى ومع القطاع الخاص.
يجري تمويل أنشطة “الأمانة”، كما تورد على موقعها الالكتروني، عبر “الأفراد العاديين وقطاع الأعمال المحلي والمنظمات الدولية وبعض الموارد الحكومية… والاتحاد الأوروبي وبرامج الأمم المتحدة إضافة إلى جهات أخرى”.
امتنعت الأمانة عن عرض تقاريرها المالية منذ اندلاع الثورة، وقد بدا واضحاً ارتفاع الإنفاق وتوسع المشاريع. أما في العام 2010 فأعلنت أن إجمالي الإيرادات بلغ نحو 11.6 مليون دولار، مقابل نحو 10 ملايين دولار للمصروفات. فيما يقدر البعض أن الموازنة السنوية الرسمية للأمانة تخفي مبالغ طائلة، خصوصاً أنها باتت في السنوات الماضية الجهة شبه الوحيدة التي تتلقى الأموال من المنظمات الدولية ومن عشرات السفارات العالمية والشركات والجمعيات والمؤسسات التنموية في العالم.
يكشف أحد المشاركين قبيل الثورة في إدارة أحد مشاريع “الأمانة” لـ”المدن” أن ميزانية تشييد بناء “وردة مسار” التابع لها بلغت فقط 40 مليون دولار. كما يتحدث عن ملاحقة الأمن بالتوافق مع إدارة “الأمانة” لأربعة من الموظفين المؤسسين بعد الثورة والذي يعملون في مشروع “كفو” (المبادرة الإغاثة بالأمانة)، وعن تلزيم إدارة المشروع لـ”الشبيحة” داخل الأمانة ومن ثم لـ”فريق دمشق التطوعي”. ويقول المصدر أن “الصورة في مراكز الإيواء التي تديرها “الأمانة” ليست ناصعة، فهنالك من فقد حياته بسبب البرد وسوء العناية الطبية، فضلاً عن قضايا التحرش الجنسي التي علمت بها الأمانة وصمتت عنها لكي تحافظ على صورتها”. ويعتقد المصدر أن “القصر الجمهوري هو احد أهم مصادر التمويل للأمانة”.
على ان تمويل “الأمانة” في العامين الماضيين إزداد بعدما أصرت الحكومة السورية على توصيل المساعدات الدولية كافة من خلال منظمات متفق عليها. وقامت بترشيح “الأمانة” لتلقي مساعدات الأمم المتحدة. فيما قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” إن “على الأمم المتحدة إجراء تحرّ دقيق عن المنظمات التي تعمل معها، وعليها أن تتحلى بالشفافية بشأن المنظمات التي تستعين بها كشركاء”، في إشارة غير مباشرة لـ”الأمانة”، وما يشبهها من جمعيات المجتمع المدني في دولة البعث.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك