سوريون وجماعتان سوريتان

رستم محمود | جريدة الحياة

غالبية مطلقة من السوريين المنخرطين في الثورة لا يصدقون سلوك المتن الأوسع من «المجتمع العلوي» السوري، إذ بينما يغرق الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام في الفتك بالسوريين بضراوة وعنف محضين لا مثيل لهما قتلاً وتهجيراً وتدميراً للمدن والقصبات، فالقاعدة الأوسع من ذلك المجتمع لا تبدي حداً أدنى من الاعتراض على ذلك الفعل الأرعن، والكثير من الأصوات الثقافية والسياسية في ذلك الوسط، تبدو خجولة يحاصرها ذلك المتن نفسه.
لا يصدق السوريون أن تبذل تلك القاعدة المجتمعية كل شيء لبقاء النظام، على رغم فداحة ذلك عليهم. فهم أيضاً ضحاياه المباشرون وغير المباشرين، بوصفهم جزءاً من المجتمع، وكحطب لنظام حاكم منذ نصف قرن. ولم تنفع مع هذه القاعدة المجتمعية كل أشكال الطمأنينة والفرز التي بذلت لفصلها عن البنية الصلبة الحاكمة للنظام، بل بقيت بسوادها الأعظم موالية لسياسات النظام وسلوكياته، أياً كانت. شيء قريب من ذلك الذهول ينتاب باقي السوريين حيال الأكراد السوريين، الذين يصرون على التمركز حول مسألة حقوقهم وخصوصيتهم ومكاسبهم، الإثنية والمناطقية، يسعون من دون هوادة لتحصيل أشكال وأنماط ومساحات من الاستقلالية السياسية والثقافية، ولا يلتفتون بالمقدار ذاته إلى أوجاع باقي السوريين، الذين أهلكهم العنف ولم يعودوا يجدون أي سبيل للحياة.
بشيء من التجاوز والتعميم، يمكن أن نعتبر أن في سورية الراهنة جماعتين سياسيتين ثقافيتين شبه مغلقتين، الجماعة العلوية والجماعة الكردية. لكل منهما عالمها الشعوري وحقلها الرمزي وطرائقها السلوكية وزعامتها وتعبيراتها وأشكال المنطق وأدوات التفكير والتحليل لديها، وكذلك مصالحها وارتباطاتها ونزعاتها المنفصلة تماماً عما لدى باقي السوريين. وهو شيء لا يعيه السوريون، ولا حتى الكثيرون من أفراد نخبتهم الثقافية والسياسية. وعادة ما تتأسس مثل هذه الاعتبارات في ظروف كالأحوال السورية الراهنة، حيث عنف مفتوح، مركّب على تاريخ عميق من سوء الفهم. وعادة ما تستعيد الجماعات الأهلية المغلقة كهذه حيويتها الاندماجية في الكل الوطني الأوسع، حين تستطيع أن تتفاعل مع ما لدى الأكثرية من آلية تفكير وسرد وتخيل للعموميات الوطنية، وتستشعر مستوى معقولاً من الأمان مع محيطها الأعم، وهذان شرطان مفتقدان تماماً في الحالة السورية الراهنة.
فبالنسبة الى الموقف الاكثر إلحاحاً في الراهن السوري، لا يدرك السوريون مثلا أن لـ «الجماعة» العلوية السورية سردية مختلفة تماماً لسيرة نظام آل الأسد عما لدى باقي السوريين. إذ بينما يرى السواد الأعظم من المجتمع السوري هذا العهد بداية لتأسس دولة الاستبداد والعنف وخنق الحياة والحريات العامة، السياسية والمدنية، يرى العلويون، في المقابل، في حكم آل الأسد بداية لكسرهم عزلتهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبدء انخراطهم في الحياة العامة للبلاد، في الاقتصاد والتعليم والرأسمال المجتمعي الرمزي، الشيء الذي حرموا منه لقرون وليس لعقود فحسب، وهو ما كان ليتحقق لولا سيطرة هذه العائلة على الحكم. وبالنسبة اليهم، فحكاية القضاء على الحياة المدنية والحريات السياسية هامشية للغاية، لأنهم تقريباً لم يكونوا جزءاً منها أساسياً. وفي صيغة أكثر جذرية، فأكراد سورية يملكون سردية مخالفة تماماً لسردية العموم السوري، ليس عن فترة حكم آل الأسد فحسب، بل حول شرعية قيام الدولة السورية وأساسها وصيرورتها، وهي تخالف وتعاكس المخيلة العمومية لباقي السوريين. ومثل هاتين السرديتين، تبدو المواقف والقراءة والمخيلة حول معظم القضايا الكبرى. فليس لدى هاتين الجماعتين ما يتطابق مع ما لدى نظيراتهما السورية الأخرى.
أما في شأن الطمأنينة، فالمبذول في الأدبيات السياسية والثقافية من نزعات التعبير عن المواطنة الواحدة والفصل بين الطائفة العلوية والنظام الحاكم، ليس كافياً أبداً، لأن جوهر المسألة لديهم ليس معرفياً أو سياسياً، بل نفسي ووجودي وتجريبي، مرهون برُهاب الآخر والمخيلة حوله. وفقدان الطمأنينة هذا إنما تعمق مع تدفق نهر الدم السوري وصعود التيارات الراديكالية الطائفية، الشيء الذي أفسح في المجال لمزيد من نكوص الانغلاق حول الذات. وشيء أقل من ذلك يخص الأكراد، الذين يعتبرون أن كل التجارب السياسية تجاه الأكراد في المنطقة في أوقات الأزمات تم النكوص عنها حين استطاع الصاعدون تثبيت مواقعم، وكثيراً ما أوغل أصدقاء الأمس في الدم الكردي من دون هوادة، ولذا فالثقة بغير الذات قد تكون ضرباً من الرومانسية.
فتشكل أجزاء من المجتمع على شكل جماعات مغلقة، سياسية وثقافية، ناتج طبيعي لظروف قاهرة غير طبيعية كالتي عاشها ذاك المجتمع لسنوات طويلة. وطبيعي أن يكون العامل الأهم لتفكيك هذه الجماعات المغلقة، بناء عالم من الوطنية السورية أكثر رحابةً وسعةً. وأسوأ ما يمكن نكران التباين واعتباره مجرد رجس لشكل من الوطنية الفوقية.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك