درع بشري في حمص

ديمة ونوس | جريدة المدن

درع بشري. أجساد متراصّة تحمي أو تمنع أو تحتجّ. اختراع يفترض حدّاً أخلاقياً معيّناً لدى المعتدي. أجساد تخفق وراء لحمها وضلوعها أرواح أشخاص. إلا أن الأرواح لا تقوى على الردع. الروح تحبّ وتكره وتفرح وتجنّ، لكنها تبقى وراء جسد يتحرّك على إيقاعها.

درع بشري. ذلك الاختراع الذي شهده التاريخ في الحرب العالمية الثانية وفي حرب الخليج وفي حرب تموز، يصلح استخدامه لدى الطرفين: المعتدي والمعتدى عليه.

ثمة من تخفق روحه دفاعاً عن قضيته، فيقف هناك، متحدّياً إرادة المعتدي، معرّضاً نفسه لاحتمال الموت. يقف مشدود القامة، عيناه متقدتان، يحمي بجسده أفكاراً دافع عنها وبذل روحه في تأمّلها. وثمة من يستخدم أجساد المعتدى عليهم، كفعل ابتزاز، ليحصل على خضوع الآخر المرغم والمهان والخاسر لما يدافع عنه. الجسد الذي يصبح في لحظة خاطفة، مجرّد خرقة يلوّح بها صاحب القضية، محقة كانت قضيته أم غير محقة.

إنه الجسد الذي يرقص بصخب أو يتكوّر على نفسه ويلوذ في عزلته. ذلك الذي يركض على الرصيف بعزم ويفسح له العابرون مساحة ليتقدّم. الجسد الذي يتسلّق جبالاً أو يعانق جسداً آخر أو يقفز من علو شاهق. أيضاً يقتل ويختبر طاقته في القتل، في التشنيع بأجساد أخرى. وأيضاً يقف كسدّ، كدرع بشري، في مدينة حمص، قبل أيام قليلة، ليمنع وصول المعونات إلى الأحياء المحاصرة هناك.

أجساد تحمل أرواح سوريين موالين، وقفت في وجه السيارات التابعة للأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري، لتمنعهم من الوصول إلى المناطق المحاصرة، لتمنع وصول المعونات الغذائية لأشخاص ينتمون إلى البلد نفسه، والمنطقة ذاتها. أشخاص يشبهونهم إلى حدّ كبير، عاشوا إلى جانب بعضهم البعض عقوداً من الزمن، عقوداً من الذكريات والذاكرة المشتركة. أجساد محاصرة في أحياء مدمّرة ومنكوبة. والاتفاق أبرم بين الأمم المتحدة ووفد بشار الأسد. والمعونات توجّهت إلى المدن المنكوبة تحت مباركة محافظ حمص-ممثل النظام.

هذا كله لا يهمّ. ثمة سوريون يمنعون المساعدات عن سوريين آخرين. ثمة موالون لنظام الأسد يمنعون دخول المعونات لأشخاص لا نعرف إن كانوا موالين أم معارضين، فقط نعرف أنهم ينتمون إلى طائفة أخرى وأنهم يسكنون بين حطام أبنية مدمّرة، محاصرين هناك، فقط لأنهم مختلفون. موالو النظام الذي يترغل بلغات التسامح والعيش المشترك وبلد الحضارات ونبذ الطائفية، يردّون بأجسادهم الحياة عن أجساد أخرى، فقط لأنها مختلفة. يشتمون المحافظ المكلّف بتسهيل عمل اللجنة. يعارضون اتفاقاً دولياً وافقت عليه “حكومتهم” وباركه نظامهم وقائدهم المفدّى.

أجساد أخرى كانت تطير في السماء وتقصف أحياء القصور والحميدية وجورة الشيّاح. تخترق الفضاء وتخترق الهدنة المفترضة. تقصف عملية الإخلاء المتفق عليها، إخلاء الأحياء من كبار السن والأطفال. حيث لم يبق سوى الشباب. منهم من بقي كخيار مقاومة ومنهم من بقي رغماً عنه. الحصار والتجويع من شيم أهل المناطق الموالية والمحميّة، من شيم نظام الأسد وما يمتلك من أجساد في السماء وعلى الأرض.

أحد الشبيحة الدمشقيين العاملين مع نظام الأسد، كتب على صفحته: “انشالله سم الهاري ونار زيت حار يشويكم شوي.. وصل الأكل والمؤن للسادة المسلحين بالوطن منشان يقوى عودن شوي ويقدروا يقتلوا الجيش العربي السوري وزينة شبابنا..”. ليست تلك الكلمات مجرّد تهويمات “فيسبوكية” عابرة. إنها موقف شريحة كبيرة من الموالين لنظام الأسد. وفي ذلك الموقف خطورة على مستقبل سورية لا يقلّ خطورة عن بقاء الأسد واستمرار نظامه في القتل والإجرام. ذلك الشبيح الدمشقي لا يعترف بهدنة وباتفاق عقدا بين نظامه وبين من يسميهم بالمسلحين. من جهة أخرى، يبدو أي حوار بين نظام الأسد والمعارضة، مرفوض بالنسبة إلى الموالين الذين دفعوا “ثمناً” باهظاً و”خسارات” فادحة خلال السنوات الثلاث الماضية. والأهم أن الشبيح الدمشقي الذي يعمل لدى “السيدة الأولى” وأصلها من مدينة حمص، يتمنّى الموت لسوريين يعيشون في مناطق محاصرة فقط لأنه يفترض وجودهم إلى جوار “مسلحين”.

درع بشري جديد، يضاف إلى التاريخ. أهالي المناطق الموالية، المدنيون، السلميون، دعاة العيش المشترك، أعداء الطائفية، يسدّون الطريق ويمنعون الهواء عن أهالي المناطق الأخرى.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك