يبرود: معركة النصر الضائع

فادي الداهوك | جريدة المدن

لا ليلَ في يبرود يكتم سرّ ما حصل. هناك على جبال القلمون، التي تقول نبوءة السوريين في سراقب أقصى شمال البلاد عنها، إنها “عندما تعانق بساتين الغوطة ستولد دمشق”، لا وقت للكلام. الفعل فقط هو الحاضر، بعد معركة، قيل، أو وَعد رجال “الحزب الواحد” أن يزرعوا، وهم يخوضوها، الرعب في قلوب أهل يبرود، فحصل أن لا نصر يرجع به الرجال الذين جاد بهم هذا أو ذاك.

وإن كانت الأحداث على الأرض ليست على ما يرام، فحتى الفضاء الإعلامي لا يمكن أن يجمّل الصورة، إذ فجأة، وبين إعلامَين، الاختلاف بينهما هو لهجة مذيع الخبر فقط، بدأ يتراجع الحديث عن معركة يبرود. ربما هي المفاجأة أو التسرع، الذي يقف خلف قرار غير مدروس، أو ربما هو التهور نفسه، الذي قاد إلى وصف أهل يبرود بـ”اليهود” وليس بـ”الصهاينة” مثلاً، ما قاد إلى الإيحاء بأن النصر تحصيل حاصل في المعركة قبل ان تبدأ.

الأخبار المتوفرة، أو التي تسمح غرفة العمليات العسكرية المشتركة في القلمون، بإعطائها لوسائل الإعلام، تقول إن الرد على تقدم حزب الله وقوات النظام، لا يكون بالرصاص، بل بالدبابات، وأحياناً بالصواريخ الحرارية، المتوفرة بكميات جيدة في القلمون، عندما تقتضي الحاجة إلى ذلك.

في المقابل، للطرف الآخر روايته، إذ تقول مصادر النظام، إن المعركة دخلت في مرحلتها الثالثة. الحديث عن مرحلة جديدة، لم يسبقه أي إشارة إلى أن المعركة تخضع إلى تكتيكات تقسيمها إلى مراحل، وربما يكون ترويج هذا الإعلان، مقدمة، لتبريرات جديدة تمهد لنسيان الأهداف الرئيسية وراء الإعلان عن بدء المعركة، ثم إغراق الحديث عن المعركة بالتفاصيل، مثلَ أن يصبح في مرحلة، لاحقة، قريبة، عن حصار تفرضه قوات النظام وحزب الله، لإحكام سيطرتهما على مداخل ومخارج المنطقة، تمهيداً لاقتحامها، وذلك تمهيداً لأمر ثانٍ، يصل إلى القول إن الاشتباك المباشر اقترب.

ولذلك تفسير، ربما يكون يتيماً، هو أن حقيقة تلك التمهيدات، ليست إلا إضاعة وقت ريثما يحدث اختراق ما على جبهة القلمون نفسها أو في مكان آخر، يقود إلى تراجع النظام عن فكرة اقتحام يبرود، بحجة تطبيق قاعدة الأولويات.

وتشير الأنباء الواردة من القلمون، أن وتيرة المعارك تغيّرت منذ أكثر 24 ساعة، وانخفضت حدّة المواجهات إلى درجة أنها أصبحت مناوشات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بعدما تمكن مقاتلو الجيش الحر والفصائل الإسلامية، من تأمين محور التقدم الرئيسي لقوات حزب الله، قرية السحل، وتلالها التي تشكل ثقلاً عسكرياً للجيش الحر، بشكل كامل.

انحسار المواجهات، بدأ من منطقة واسعة ومكشوفة على مناطق تمركز الجيش الحر، تمتد بين بلدات السحل وفليطة ورأس العين وبخمة والجبة وعسال الورد، وانتهى إلى مساحة أضيق.

لكن، ومع ذلك، واجهت قوات حزب الله، القوة الرئيسية التي اتخذت على عاتقها مسألة الاقتحام، صعوبة في إيجاد ثغرة تتقدم منها على محور قرية السحل، المجاورة للنبك، معقل قوات النظام وحزب الله ومركز الانطلاق نحو يبرود.

من جهة ثانية، لجأ النظام إلى محاولة، فشلت، في كسر السور الذي يحمي المنطقة، وذلك بمحاولة إشغال المقاتلين بالمدنيين، من خلال اعتماده على الغارات الجوية بطيران الميغ من ارتفاعات عالية، اقتصرت أضرارها على المادية في أغلب الأحيان.

كذلك، لجأ إلى القصف بواسطة المدفعية، وعلى وجه التحديد، مدفعية الحرس الجمهوري في اللواء 104، التي عاود استخدامها في القلمون، لأن معادلة البراميل المتفجرة كحل ناجع لإحداث أوسع تدمير، مثلما يحصل في الشمال السوري، والمناطق التي لا تملك مضادات للطيران، لا تنطبق صوابيتها في القلمون، وذلك لعدم امتلاكه ترف المحاولة والمغامرة بالاستخدام المريح للمجال الجوي، الذي حتماً هو في مرمى نيران المقاتلين في يبرود.

يضاف إلى ذلك، أن اللجوء إلى الاقتحام البري، أثبت فشله حتى الآن، وعلى ذلك تجربة مؤلمة، كلّفت النظام وحزب الله حتى الساعات الأخيرة الماضية، 5 دبابات على الأقل، تم تدميرها خلال الأيام التي حاول فيها النظام وحزب الله الاقتحام من جهة قرية السحل، ومزارع ريما، التي عدل عن فكرة استخدامها كممر للتقدم، بسبب تمركز قوات كبيرة فيها تابعة لجبهة النصرة، الفصيل المسلح الأكثر شراسة في مقارعة النظام.

وتبقى نسبة ثمانين في المئة، من السكان الذين نزحوا من يبرود، نحو عرسال اللبنانية، عاملاً رئيسياً في المعركة، أزاح حملاً ثقيلاً عن عاتق المقاتلين، وجعلهم يتفرغون للقتال فقط، والتخطيط في غرفة عمليات عسكرية وحيدة، مشتركة، تقود المعركة، ويرأسها ضباط عسكريون منشقون عن النظام.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك