كيف ولماذا يُصنع الطاغية؟

الفضل شلق | جريدة السفير

يصنع الطاغية بتلبية نداء الشعب. يسمع النداء. يلبيه. اختصه الشعب بالدعوة. هو الإلهام: إلهام الشعب وإلهامه هو، بأنه هو المختار. ما يصيب العازف الصوتي يصيبه هو. سر الوصل والوصال. السر لا يعرفه إلا ذووه، لا يعرفه إلا الخاصة. ليست الأسرار للعوام. قائد ملهم، لا تعرف من رؤية وجهه إذا كان يبكي أو يضحك. عليك النفاذ من خلال نظارتيه السوداوين كي ترى وجهه، كي تعرف ماذا يريد. يقول كثيراً ولا يقول شيئاً. يريدك ان تعرف بالكشف الصوتي ماذا ينوي فعله، وهو لا يخرج عليك بالبرنامج قبل ان توافق على الإدلاء بنعم لشخصه الكريم، من دون معرفة أفكاره.
الطاغية تصنعه إرادة الشعب. يفترض هذه الإرادة، يُصعدها من تحت أو ينزلها من فوق. هي إرادة ذهنية، هي إرادة ضرورية ضرورة واجب الوجود. يتوجب عليك وعلى غيرك ان تخضع لها. هو لم يولد إلا من أجل خدمة الشعب. كيف لا وهناك من أبرز صورته صغيراً يؤدي التحية للزعيم الراحل. هو خُلق من أجل ما كتبته له الأقدار. اسمه في اللوح المحفوظ. لا خيار له إلا بالتلبية، ولا خيار للشعب إلا بالتلبية، انسجاماً مع نداء القدر.
يسمع الطاغية ما لا يسمعه الآخرون. يفهم ما لا يفهمون. يعرف ما لا يعرفونه. لا تتوجب عليهم المعرفة. بعض الظنون كافية. كثرتها أكثر فائدة. كل ما يؤدي إلى التعمية مفيد. بالتعمية يُصنع الطاغية. لا برنامج. لا يعرف الناس عنه كثيراً. هو السر المصون. ينتخب الناس سراً. التواصل بينه وبينهم مباشر. لا وساطة للعقل. فاشية بعينها. الشعب تحول مقولة، كما كان الشعب مقولة عند من سبقه من الإسلاميين. يخضع الشعب للمقولة. يمسك بها الطاغية وحاشيته. يوفر الطاغية الأمن والاستقرار مكان مطالب الشعب المحقة. تفوز البورجوازية بمصالحها، إذ لا شعب يطالب، بل ينعم بالأمن والاستقرار كبديل منها.
من أجل هذه الطبقة البورجوازية يُصنع الطاغية. أفلت الشعب من قفصه بالثورة. وعلى الأمن ان يضبطه ويعيده إلى القفص، وتعود البورجوازية إلى النهب وتبديد الموارد. هي المشترك بين حكم الطاغية والاستبداد الديني الذي سبقه، والاستبداد المتحالف مع الإسلام السياسي الذي سبقهما. على الطبقة ان توفر الأموال والاستثمارات الخارجية التي تعمل وسيطة لها، وأن تأمن لثرواتها ووضعها الاجتماعي المميز. لا يتحقق ذلك إلا بسلب الشعب حرياته. من قبل كانت تُسلب الحريات قسراً، الآن تُسلب طوعاً وعن طريق صندوق الانتخابات. طبعاً سيكون هناك مراقبون أجانب. بعض الكلام ضد أميركا والصهيونية مفيد، فيه استجابة لوجدان الشعب المعبأ ضدهما.
تسلب الطبقة ثروات الناس ومواردهم، ويسلب الطاغية عقولهم، ويستقر الأمن. لا تتحقق مطالب الناس بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة. هؤلاء ناس، والناس مشاغبون. هم ليسوا شعباً. الشعب أعطى موافقته. الناس يستمر حرمانهم. الشعب فوّض الطاغية. يصير الشعب كالإرادة الإلهية. نؤمن بها ولا نعرف مآلاتها. علينا أن نؤمن بما يقوله الطاغية نيابة عن الشعب، كما كان طاغية الإسلام السياسي يقول انه مفوض بإرادة إلهية ليس لنا خيار إلا ان نؤمن بها. فقد ظهر الأنبياء بالمنام وأخبروا بها. التعمية ضرورية، ولا يستقيم الأمر إلا بها.
طبقته العسكرية تسيطر على 30% من الاقتصاد. طبقة السماسرة تسيطر على ما تبقى. يقتسمان موارد الشعب عن طريق ما يسمى القطاع العام والقطاع الخاص. الاتفاقيات مع العدو باقية، التغلغل الامبريالي باق، الشعب محروم بل أكثر حرمانا، والأمن أكثر استقراراً، هي الجنة على الأرض. للقلة وحسب.
تُصادَر الثورة، وقد سُلبت معها إرادة الناس، تضم السجون أعداداً كبيرة ممن يطالبون. لا لزوم للمطالبات بعد اليوم، فقد تحقق الأمن. لا أفضل من خلق حالة عدم استقرار يتبرم بها الناس كي يقبلوا بالأمن بديلاً عن كل شيء آخر.
حتى الآن هذا هو الأمر. قام الناس بثورتهم وانتهى الأمر. جاء من يقودهم وينقذهم. هذا يعرف ما يريده شعبه. صار في جيبه. أما رؤساء وملوك المنطقة المؤتمرون في القمة، وقد دفعوا ما عليهم، وهم يعرفون ما أهمية هذا البلد الكبير، فيطالبون بالحل السياسي في بلد عربي آخر سعوا خلال سنوات إلى إسقاط نظامه عسكرياً. طاغية البلد الكبير سوف يحل مشاكلهم الإقليمية. ما عليهم إلا ان «يطالبوا». وقد طالبوا. وكأن ليس بيدهم من الأمر إلا ان يطالبوا كالصِّبية الصغار. جاء بيانهم تعبيراً عما يعانونه من ضعف تجاه شعوبهم وتجاه جيرانهم وتجاه الدول الكبرى. توكلهم على البلد العربي الكبير ان يخرجهم من محنتهم.
ماذا لو استمرت الثورة؟ سوف يفقد جميعهم «الأمل». والأمل الذي تحدث عنه الطاغية هو عنوان الصفقة الكبيرة: أمل للأنظمة لا أمل للناس، فهؤلاء هم الخطر الذين ينعقد الأمل ضدهم.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك