الثورة السورية بين الإعلام والواقع

ميخائيل سعد | زمان الوصل

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية كنت أعيش في بيروت، وفيها ومنها تعلمت الفرق بين ما يُقال في وسائل الإعلام عن القتال وبين ما هو حقيقي ويجري على الأرض، وشتان ما بين الحالتين.

من خبرات تلك المرحلة، ورغم أنني في مونتريال منذ ٢٤ سنة، عندما كنت أسمع عن القتال الجاري على الأرض في سوريا، وعن شهادات الناس وكلام الإعلاميين، كنت أحاول أن أرمم الفراغات في الصورة التي ينقلها الآخرون، لذلك كنت أسقط بعض الأجزاء التي لا تتناسب مع بقية أجزاء الصورة، محاولا، قدر إمكاناتي ومعارفي المتواضعة، أن أكوّن صورة قريبة للحقيقة عن مجريات الأمور في سوريا الثورة والنظام القاتل، لكل ما سبق، لم أصدق كلام النظام الأسدي عن الإصلاح والحوار، كما لم أصدق كلامه عن الجماعات الإرهابية وحمايته للأقليات، وفي الوقت نفسه لم أصدق الفبركات الإعلامية من فيديوهات وشهادات عن الذبح الطائفي، لأنني كنت وما أزال مقتنعا أن أغلبية ما رأيناه أو سمعنا عنه هو من إنتاج النظام الأسدي، لسبب بسيط لأنه يخدمه.

وجاءت الفرصة المناسبة لأتأكد مما يجري على الأرض، عندما جاء منذ أيام، قادما من حلب المحررة الصديق والناشط المدني د.محمد محمود، الذي كان قد هجر نعيم مونتريال وعاد إلى حلب للعيش هناك ومساعدة الناس على الاستمرار في ثورتهم المهددة بالسرقة، فكان لي شرف الاستماع إليه في أكثر من مناسبة متحدثا عن الأوضاع في سوريا، وخاصة في حلب، وسأحاول أن أختصر، عارضا أهم النقاط غير الواضحة في عقل السوري الذي يعيش خارج سوريا.

أكد الناشط الحلبي أن الثورة قد خلخلت البنية الاجتماعية التقليدية في حلب، وكسرت الكثير من القيم المتوارثة في المجتمع السوري، وخاصة المجتمع المحافظ كالمجتمع الحلبي، ويمكن ملاحظة ذلك في انتقال شباب وصبايا من الأحياء الثرية كالمحافظة والسريان للعيش في الأحياء الأكثر فقرا في حلب كالشعار والميسر وبستان القصر، للمشاركة في الثورة وأنشطتها، بعلم أهلهم ومباركتهم، ومن يعرف حلب ومجتمعها يعرف معنى وأهمية وجذرية حدوث أمور كهذه…
من ناحية أخرى، فإن الناظر بتفحص إلى المناطق والمدن السورية الثائرة يكتشف فورا الخلخلة التي تكلمت عنها في انتقال مراكز الفعل الثوري من الأماكن التقليدية له في قلب المدن إلى أماكن جديدة، فمركز حماه انتقل إلى الريف الشمالي، ومركز إدلب انتقل إلى جبل الزاوية، ودمشق إلى الغوطتين، وتميزت حلب المحررة في هذا الجانب، فصار مركز القرار في المدينة لكنه في أيد ريفية. هذه الخلخلة الاجتماعية قادت إلى تمايز واقعي آخر في الأوساط الإسلامية والجهادية، فانتقال مراكز القيادة من المدن التي كانت حاملة الإسلام السني المربتط بالمصالح التجارية لطبقة البرجوازية وابتعاده عنها بسبب القمع الأمني والعسكري جعل الأوساط الريفية تلعب دورا مركزيا كونها حملت إسلاما أكثر تأثرا بالأفكار الجهادية التي يحملها أبناء الريف (ترييف الدين، حسب ياسين الحاج صالح) الذين ذهبوا للقتال في العراق وأفغانستان أو المتأثرين بالفكر الأصولي الوهابي.

هذا الواقع الجديد سهّل دخول الحركات الجهادية إلى المعمعة السورية ممثلة بجبهة النصرة لبلاد الشام، تلتها حركة أحرار الفجر، ثم حركة أحرار الشام الإسلامية، ومؤخرا حركة صقور الشام… ورغم عمل هذه الحركات انطلاقا من الواقع السوري بحكم تركيبتها الديموغرافية –كون معظم المقاتلين فيها من السوريين– فإن الضربة الكبرى جاءت من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي ظهر فجأة على الساحة السورية حاملا مشروع دولة بادئا بتنفيذه بدءا بالراية والمصطلحات الإدارية والفقهية انتهاء بتفصيلات وتطبيقات صعب على السوريين –والسوريات خصوصا– تطبيقها كونها تخرج عن الفهم السوري للإسلام ووسطيته نحو فهم غريب مبتسر قائم على تكفير كل من يخالف. ضمن المعمعة اعتقد كثير من السوريين أن التنظيم الذي استطاع فرض سيطرته على الشمال بدموية قل مثيلها هو تنظيم عميل للسلطة قلبا وقالبا لكن الواقع هو أن التنظيم – أو “داعش” كما شاعت التسمية –منظومة فكرية بنيت على منهج فكري أعاد تفسير الإسلام الأول اعتمادا على تفسير الجماعات المصرية في السبعينيات –جماعة التكفير والهجرة مثلا- مثلها مثل الجماعة الإسلامية المقاتلة في الجزائر أو حركة الشباب في الصومال. استلهام تجربة الإسلام الأول بدا واضحا في سوريا انطلاقا من التسميات، إذ أطلق المقاتلون الأجانب على أنفسهم اسم “المهاجرون” وعلى السوريين اسم الأنصار كما بدا التأثير العراقي واضحا في المصطلحات الإدارية والرتب العسكرية في هيكلية الدولة الإسلامية كما خطط لها مفكرو التنظيم.

التحاق الشباب السوريين بالتنظيم جاء بعد اكتساب التنظيم لهيبة فرضها الدم السوري المسفوح والوقوف بوجه تجاوزات كتائب الجيش الحر في الرقة وحلب وإدلب…ورغم أن من التحقوا بالتنظيم بعد ظهوره لم يحصلوا سوى على وظائف دونية، فإن الانتماء للتنظيم أو بيعة داعش –سواء أكانت بيعة قتال أو بيعة إمارة– كانت طريقا ركبه الشباب السوري للتقرب من الدولة الناشئة.

مع انكفاء التنظيم عن حلب وريفها الشمالي والغربي وعن إدلب وجبل الزاوية وانسحاب مقاتليه من هذه المناطق أو انضوائهم تحت مسميات أخرى، ظهر الوجه الحقيقي للتنظيم، حيث شكلت الإعدامات الميدانية في حلب ومدن ريفها الشمالي والسيارات المفخخة والانتحاريات والمقابر الجماعية التي اكتشفت بعد انسحاب الجهاديين صدمة أعادت عددا لا بأس به للواقع الذي حاولوا تكذيبه. بدا حينها جليا واضحا بعد المشاهدات الميدانية وحسب الشهادات التي أدلى بها إعلاميون ومقاتلون من الجيش الحر كانوا معتقلين عند داعش حجم اختراق أجهزة النظام القمعي للمنظومة الأمنية للدولة الإسلامية في العراق والشام.

وهنا فقط يمكن فهم الخلط الذي كان واضحا في خطاب النشطاء في حلب والريف الشمالي وجبل الزاوية وإدلب عن طبيعة التنظيم ودوره في قمع الثورة في مناطق تواجده التي امتدت حتى حدود جبهة الساحل.
النقطة الأخرى التي أثارها الناشط السوري د. محمد محمود هي العمل الميداني في حلب وريفها- تحت القصف اليومي– وإدلب وحماة. هناك مجموعة من المجالس المحلية التي شكلت من سنة أو أقل تقدم نموذجا في العمل المدني والثوري في آن واحد. عدا عن كونها مجالس خدمية تضم اختصاصين أو تقنيين في مجالهم، تمثل هذه المجالس بداية حقيقية لممارسة الديمقراطية الانتخابية في المناطق التي تم تحريرها أو انسحب النظام منها. هذه المجالس هي التي قدمت منظومة الدفاع المدني التي استطاعت سد نقص كبير في حاجيات حلب وريفها تحت قصف النظام وسعيه لتدمير البنية التحتية والإنسان القادر على صيانتها وتحسينها.

تتجلى أهمية هذا العمل الميداني من صدقية من بقي على الأرض وصمد في وجه داعش وهجمات النظام وقصفه وتدميره بينما انسحب أو هرب من كان يحسب على المعارضة التقليدية. ضمن هذا العمل الميداني هناك أيضا المجالس الثورية ومنظمات المجتمع المدني (الإسلامية منها والمدنية) التي وقفت وتشبثت بالأرض وساعدت الصامدين من أبناء المدن والقرى الذين فضلوا التمسلك بالأرض والصمود على الهرب. هكذا جاءت حملات محلية شاملة لتساعد على الصمود (حملة صامدون وحملة مدرستي) واحتفاليات الذكرى الثالثة لانطلاقة الثورة في حلب وريفها وإدلب وجبل الزاوية.

ضمن نفس التوجه هناك نشاطات أخرى في الأشهر القادمة ستخصص لتأهيل الكادر التعليمي ورفع سويته العلمية والعملية بالإضافة إلى مشروع يعيد طلاب الجامعات الذين انقطعوا عن تحصيلهم العلمي لربطهم بالمعرفة – كل في مجال اختصاصه ودراسته.

وسوف يكون المشروع لبنة أولى في محاولة تأسيس جامعة وطنية في العلوم الإنسانية والتقنية.
هذه هي الخطوط العريضة لما طرحة د.محمد محمود، فشكرا له ولتضحياته الكبيرة في خدمة الثورة السورية واستمراريتها.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك