الخليوي السوري: خصخصة وشيكة لتمويل الحرب

مروان أبو خالد | جريدة المدن

شكّلت عقود الخليوي إحدى أكثر القضايا الإقتصادية إثارة للجدل في سورية خلال العقد الأخير، إذ نتج منها ولادة شركتي “سيريتل” و”أم تي أن” اللتين بلغ عدد مشتركيهما في العام 2013 قرابة 12 مليونا و320 الف مشترك، فيما تجاوزت إيراداتهما المعلنة قرابة 604 ملايين دولار عند سعر صرف 167 ليرة للدولار. وتميز عملهما بالاحتكار الشديد، إذ احتلت سورية المرتبة قبل الأخيرة عربياً في مجال تنافسية سوق الخليوي، حسب تقرير “مجموعة المرشدين العرب” للعام 2013.

ومنذ العام 2010 والأوساط الحكومية تروج لنيتها كسر هذا الإحتكار عبر إدخال مشغل خليوي ثالث، متذرعة بحرصها الشديد على مصالح المواطنين، إذ أن ذلك سيسهم في إحداث منافسة ستنعكس إيجاباً على تخفيض الأسعار وتحسين الخدمات. وجديد هذا الترويج ما نقلته جريدة “البعث” التابعة للنظام عن مسؤول حكومي، حيث قال أن الأيام القادمة ستشهد تطوراً جديداً في هذه القضية دون الكشف عن ماهية هذا التطور. وفي الوقت الذي بات فيه دخول المشغل الثالث أمراً محتماً، فإن التطور المذكور لن يتعدى الإعلان عن الشروط، وربما هوية ذلك المشغل الجديد الذي سيكون حتماً من الدول الحليفة للنظام كإيران أو الصين.

والحال ان حجج الحكومة واهية بالمطلق، إذ كيف يمكن أن يقتنع السوريون بنيتها في كسر الاحتكار وهي شريكة فيه، حيث تملك الآن حصة تبلغ 50% في كل من الشركتين، وهذه الحصة تمكن الحكومة من الضغط لخفض أسعار الخدمات، بينما لم يشهد السوريون من الحكومة سوى تبريرات مختلفة لرفع الأسعار بحجة ارتفاع سعر صرف الدولار، ودمار حوالي 40% من شبكات الخليوي بسبب الحرب.

ولا تبدي شركتا الخليوي العاملتان الآن اعتراضاً على دخول مشغل ثالث، بل على العكس فهي تنتظر دخوله بفارغ الصبر، إذ أن دخول المشغل الثالث هو أمر مشروط بتغيير العقود الموقعة بين الحكومة وشركتي “سيريتل” و”أم تي أن” من صيغة عقد “بناء وتشغيل واسترداد” (BOT)، تكون للحكومة فيه حصة مقررة، إلى صيغة التراخيص، التي تعني خصخصة كاملة، وتخلي الدولة عن حصتها، وعن ملكيتها المستقبلية للشركتين عند انتهاء العقد الأول. ليبدو هذا الأمر هو الهدف الحقيقي من وراء إدخال المشغل الثالث، وليس النفاق الفاضح حول المنافسة وتحقيق مصلحة المواطنين.

لتوضيح هذا، فإن العقود الموقعة بين الحكومة ومشغلي الخليوي العام 2001، نصت على عودة ملكية الشركتين للدولة بعد 15 عاماً، على أن ترتفع حصة الدولة تدريجياً خلال سنوات العقد، لتبلغ 50% بعد السنة السادسة منه وحتى نهايته، مع إمكانية تجديد عقد BOT لثلاث سنوات إضافية فقط، شرط أن ترتفع حصة الدولة إلى 60%.

شروط العقد هذه تغيرت مع صدور قانون هيكلة قطاع الاتصالات الرقم 18 للعام 2010، إذ نص على تجديد عقد الشركتين كل عام بمفرده ابتداء من العام 2010، ليكون العام 2013 هو موعد انتهاء آخر تمديد، على أن يبت مستقبل ملكية الشركتين ونوعية العقد خلال العام الجاري 2014. ومن هنا كان تشكيل الحكومة في شباط الماضي، للجنة مصغرة لدراسة شروط الانتقال من عقود “بناء وتشغيل واسترداد” إلى التراخيص، والتي تتخلى الدولة بموجبها عن حصتها المتصاعدة من الإيرادات، وملكيتها للبنى التحتية والتجهيزات، لقاء مبلغ مالي يدفع مباشرة إضافة لنسبة ثابتة سنوية لم تحدد بعد.

قد يتساءل البعض عن سبب الترابط بين إدخال المشغل الثالث والانتقال لعقود التراخيص، والجواب أن هذا الأمر كان شرطاً من قبل مالكي الشركتين من القطاع الخاص المافيوي، إذ وفقاً لهم فمن الاستحالة أن يدخل مشغل ثالث ويحقق منافسة إذا كانت الحكومة تملك حصة متصاعدة في الشركتين العاملتين الآن، وفي ظل إمكانية انتقال ملكيتهما بالكامل للدولة إذا استمرت عقود BOT.

والحال فإن حاجة حكومة الحرب لإيرادات مالية لتمويل حربها هو الدافع الأول وراء جميع حججها، فإدخال مشغل ثالث بالتزامن مع الانتقال لعقود التراخيص يوفر لها سيولة مالية كبيرة على حساب التفريط بقطاع حيوي، وهذا ليس مستغرباً إذ إن الهدر والفساد نهجها الطبيعي منذ عقود.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك