طرطوس: الأسد باقٍ بانتخابات أو بدونها

صادق عبد الرحمن | جريدة المدن

لم يطلق أنصار الأسد الرصاص في الهواء ابتهاجاً بترشحه للانتخابات الرئاسية، فلقد كانت أوامر القائد صارمة هذه المرة، وجاء الالتزام المطلق بتوجيهاته كتأكيد جديد على انضباط أنصاره وولائهم له. هذه المرة هناك “انتخابات ديمقراطية” وليس استفتاءاً، والانتخابات تتطلب انضباطاً أعلى مما يتطلبه الاستفتاء. والرصاص متروك لمكافحة “الإرهابيين” فقط. أما الانتخابات فيجب أن تكون تأكيداً على أن الدستور التعددي سيأتي بالأسد إلى السلطة أيضاً، كما كان حال دستور الحزب الواحد.

أحد كبار الرفاق البعثيين قال في مهرجان خطابي داعم للأسد، في مدينة طرطوس الساحلية: “الأسد باق في السلطة بانتخابات أو باستفتاء أو بدونهما، لكن صناديق الإقتراع ضرورية كي يعرف العالم أن السوريين جميعاً يؤيدون القائد الأسد”. موعد الفعاليات الجماهيرية الكبرى لم يحن بعد، لكن الساعات القليلة التي تلت إعلان الأسد لترشحه كانت كافية لكي تمتلئ طرطوس بلافتات وشعارات الدعم للأسد كرئيس “محتمل” للجمهورية العربية السورية.

يدرك الجميع في طرطوس كما في غيرها من المناطق الموالية، أن الأمر برمته لا يعدو كونه مسرحية كبيرة. وعلى الرغم من ذلك يصرُّ أغلب أنصار الأسد على أداء دورهم في المسرحية بجدية وإتقان. حتى عبارات التحقير والسخرية التي يطلقها كثيرون في مواجهة المرشحين الآخرين، والتي تبدو للوهلة الأولى كما لو أنها خروج عن نص المسرحية الأصلي، فإنها ليست في الحقيقة إلا جزءاً من الدور المناط بهم.

يسخر سائق باصٍ نقل عام في طرطوس من أحد ركابه، الذي قيل إن رجلاً من قريته رشح نفسه للانتخابات: “من أنتم أيها التافهون حتى يتجرأ أحدكم على منافسة القائد الأسد؟”، فيجيب الرجل مرتبكاً: “أليس هذا حقاً منحنا إياه السيد الرئيس؟” ثم يقترب من السائق هامساً بصوت خفيض في أذنه: “من قال لك إنه يجرؤ على الترشح أو عدم الترشح، لقد اتصلوا به وقالوا له أن يترشح”.

هذا المشهد ليس مشهداً روائياً، لكنه مشهد حقيقي في مدينةٍ يدين أغلب سكانها بالولاء المطلق للأسد، حتى حق الترشح والانتخاب يبدو منةً من القائد، ويبدو أن أحداً لا يتعامل مع الانتخابات إلا بوصفها جزءاً من معركة السلطة مع خصومها. يسخر الجميع من المرشحين الآخرين، ولا تجد دوائر السلطة مشكلة في هذه السخرية والشتائم طالما أنها بعيدة عن الإعلام الرسمي الذي يفترض به أن ينجح في تسويق “العملية الديمقراطية”.

لا يمكن لصحافة غير تابعة للسلطة أن تستطلع الآراء الحقيقية في طرطوس، لكن أستاذ مدرسة موالٍ للنظام رضي بالتحدث لـ”المدن” متحفظاً على ذكر اسمه، وقال: “إن وصف الأمر بالمسرحية الجماعية ظالم وغير دقيق على الإطلاق، صحيح أن هناك لصوصاً وشبيحةً ومجرمين يؤيدون الأسد ومن مصلحتهم أن تسير الأمور على هذا النحو، لكن الغالبية هنا يؤيدون الدولة وفكرة الدولة، وليس نظام الحكم، ولأن الأسد والجيش العربي السوري هما الضامنان الوحيدان لبقاء الدولة، ولأننا نريد الانتقال نحو الديمقراطية دون تفكيك الدولة، فلهذا نؤيد الأسد في الانتخابات”.

يجيب الأستاذ على سؤال حول أهمية الانتخابات في ظل نتائجها المحسومة: “الانتخابات هذه تمرين أولي للمواطنين على فكرة الاقتراع، وهي ضرورية لتقوية موقف الدولة السورية، ما لا تفهمه المعارضة التي أعتقد أن فيها الكثير من الوطنيين، أن هدف القوى الدولية الداعمة لها هو تفكيك الدولة وليس النظام، ومن ثم فإن الانتخابات ونجاح الأسد فيها أمور ضرورية لتدعيم مشروع الدولة الوطنية في سوريا، وهو ما يفسر غضب كثير من البسطاء على أولئك الذين ترشحوا لمنافسة الأسد على السلطة”.

يواصل “البسطاء” الموالون للأسد في طرطوس حياتهم في مواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وفي مواجهة جثامين أبنائهم التي تعود يومياً من جبهات القتال، ولا تبدو الانتخابات حدثاً مفصلياً بالنسبة لهم إلا لكونها تعبيراً عن صمود “الدولة”. أما غضبهم وحماسهم للدفاع عن مشروع الدولة الوطنية فيبدو مجرد تأويلٍ أيديولوجيٍ لمواقفهم، يقول واحد من هؤلاء “البسطاء” تعليقاً على تعطل عمله بسبب فعالية جماهيرية داعمة للأسد: “لا أفهم لماذا يعطلوننا عن أعمالنا، ولماذا هناك انتخابات في وقت تجري فيه الامتحانات، الأسد قائدنا بانتخابات أو بدونها، وليس هناك أكثر نفاقاً من هؤلاء الذين يحتفلون في الشارع اليوم سوى أولئك الذين رشحوا أنفسهم”.

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك