هل خطب الأسد؟

قيل مرة للرئيس الأميركي نيكسون بأن السوفيات صعدوا إلى القمر، وطلوه باللون الأحمر، فأجاب نيكسون: لا بأس، اكتبوا عليه “كوكاكولا”. بشار الأسد بدوره، في خطابه، أعلن أن مريديه وأزلامه، هم الثوار، وأن صمود سوريا في وجه “الإرهاب” هو الثورة.

بعيد حرب الأيام الستة حزيران/يونيو 1967 أعلن وزير الدفاع السوري آنذاك، حافظ الأسد، سقوط مدينة القنيطرة، مؤكداً انتصار سوريا لعدم قدرة اسرائيل على تحقيق هدفها في اسقاط النظام. في عالم النظام السوري المتخيل لم تحدث حرب الأيام الستة، أو نكسة حزيران. وكذلك، لم تحدث كل الحروب الباقية في 1973 و1982. كما أن الانتفاضة الشعبية الممتدة منذ أواخر السبعينيات إلى منتصف الثمانينيات، لم تكن واقعاً. فالأساس الوحيد الثابت، هو استمرار النظام، وبقاؤه. ما تبقى ليس سوى ظلال غامضة، لما لم يحدث، لما لم يتمكن من الانتقال إلى حيز الإمكان. مجرد الاحتمال، هو انتصار لمخيلة النظام، وتكريس لبقائه.

لم يمتلك الأسد يوماً “كوكاكولا” خاصة به. فهو ونظامه، لم يتمكنوا من انتاج علامة سورية فارقة واحدة، سوى القمع والوحشية. ابتكروا الشبيحة وجيش الدفاع، واستجلبوا حزب الله، ولواء أبي الفضل العباس. الأسد ساهم في خلق نقيضه-شبيهه: تنظيم الدولة. وشن حرباً استباقية إرهابية على الشعب السوري لإنتاج الإرهاب.

الأسد المتفرد في الاستفزاز، بدأ الحديث مع “مواطنيه” قائلاً: أيها الشعب السوري الحر الثائر، ملغياً بذلك ثورة اجتماعية ما زالت تتفاعل على الأرض. وأقل ما يقال فيها، أنها أجبرته على احضار مجموعة منتقاة من مواليه، إلى قصر الشعب المحصن في الجبال، ليلقي عليهم خطاب القسم. لم يجرؤ حتى إلى النزول إلى قلب دمشق، حيث يقبع مجلس الشعب، وحيث يفترض أن يلقي خطابه.

قبل ذلك، نقلت كاميرات تلفزيونات النظام، صوراً لانتخابات محسومة النتائج، واضطرت القنوات إلى استخدام برنامج “سكايب” لنقل الصور من بعض المناطق التي لم يعد للنظام سيطرة عليها، أو فقد الطرق الرئيسية إليها. الانتخابات الرئاسية جرت في مناطق تشكّل أقل من ثلث الأراضي السورية، في ظل نزوح ما يقارب نصف السكان. انتخابات جرت تحت التهديد والاعتقال والإرهاب. تحت مظلة الشمولية الخرسانية الثقيلة. لم يغير في الحساب مقتل ما يقارب 200 ألف إنسان منذ آذار/مارس 2011، وتدمير أكثر من 4 ملايين منزل. ذلك مجرد سياق لم يحدث في وعي النظام.

وبهذا المعنى، وباعتماد منطق النظام، فالانتخابات لم تحدث أصلاً. خطاب الأسد يوم 16 تموز/يوليو 2014 لم يحدث أيضاً. فالأسد أكد عدم حدوث الثورة، ووصف ما جرى بمؤامرة، يقوم بها إرهابيون و”إمعات”، وخدم لسادة النفط. زايد على السوريين والعالم، متعالياً كعادته، ملقياً نكاتاً سمجة، ضاحكاً لوحده. الأسد الإبن هاجم دولاً، وأقسم يميناً، ومشى على سجاد أحمر. استمع إلى مؤيديه يهتفون بحياته، مشرقاً وضّاء. فقط كان هناك خلل وحيد: الأسد لم يقل شيئاً، وخطاب القسم لم يحدث أبداً.

 

المدن

وسوم :

أترك تعليق

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك