بين (السياسة والرياسة)
ياسين عضيمة | بدأت العلوم السياسية بالنشوء مع بداية نشوء الدول ككيانات جماعية وجدت لتحافظ على خط سير المجتمع
وتنظم العلاقات بين الأفراد وتجميع الجهود الفردية المبعثرة لتسريع تحقيق الأهداف المطلوبة بأقل جهود وخسائر ممكنة .
ولابن خلدون في مقدمته المعروفة كما لأرسطو وأفلاطون وغيرهم من حكماء الإغريق مؤلفات كبيرة حول الآليات والأساليب
الأكثر نجاعة في إقامة كيان سياسي صحيح نفسياً وفكرياً أقرب ما يكون إلى المثالية .
كما في نهج البلاغة للخليفة الرابع علي بن أبي طالب مقولات مطولة فيها خلاصة الحكمة والدراية والمعرفة حول
طرق تأسيس الدول واستمرارها .
ولطالما كان هناك عبر العصور ساسة الكواليس الذين يقدمون للأشخاص الموجودين في المشهد
خلاصة معارفهم وخبراتهم الفكرية والعقلية وبالتالي كانت هذه الأدمغة هي المحرك الأساس وعمود المنتصف
في هيكلية العمل السياسي .
ولا شك أن السياسة تبدأ بادئ ذي بدء في المنزل وإدارة موارده وتسيير موكبه لتحقيق الأفضل لأفراده
وهذا ما سماه الفلاسفة (أوكيوس نومسوس ) أي علم إدارة المنزل .
إذا هناك ناظم معين لا بد ان يتواجد في أصغر خلية مجتمعية وصولاً إلى أكبرها وهي الدولة .
يبدأ فقدان هذا الناظم مع وصول الدولة إلى مرحلة الشيخوخة أو الهرم والعجز
ومع نشوء أجيال جديدة تحمل أفكارا وقيم تمثل دماء جديدة لا بد من ضخها في عروق جسد الدولة
لكي يحيا ويستمر .
أما حالة الجمود والخمول والثبات التي تعاني منها الكيانات السياسية فما هي إلا مقتلها الذي تحمله
في خلاياها الجينية منذ تأسيسها .
ونحن اليوم في أوضح مشاهد هذا الداء المستشري والذي يتمثل في صورة القائد أو الهيئات القيادية
التي تعمل بشكل جماعي ظاهريا ولكن كل فرد منها يحاول أن يكون أساسياً ومحورياً ومركزياً حتى لو إنهار الكيان
الذي ينتمي إليه ….إنها الأنا العليا مجدداً .
ولا ريب أن شيخوخة الجسد السياسي تتمثل في التمسك في المناصب والكراسي والمنافع النفسية والمادية التي تعود
بها على صاحبها وهنا يكون السياسي يدور حول نفسه مستخدما كل الموارد والإمكانات لتسخيرها وتجييرها لصالحه الشخصي
بدلاً من أن يقوم بالعكس .
كذلك هناك داء ومرض مجتمعي خطير إلا وهو القبول الشعبي الجماهيري بالوجوه التي تعود بصره على رؤيتها
وإنكاره النفسي في اللاوعي للتغيير وهذا ما يحصل مع مؤيدي الطغاة .ولا شك أنه يحصل مع غيرهم كذلك
إنها الرياسة التي تستخدم قناع السياسة للوصول إلى الأمجاد الشخصية على حساب الصالح العام .
وهنا فإن كل جسد لا يقوم بتجديد نفسه ودمه كل حين يصبح راكداً وهامداً وتكثر أمراضه وعلله التي تقوده
نحو النهاية .
إن الثورات التحررية تقوم بسبب الطلب الملح للتغيير والإنطلاق بدم جديد
وحين تفقد الثورات هذه الميزة تصبح صراعاً بين طرفين على على منافع ومصالح شخصية بين وجوه معروفة
وشخصيات مكررة من الطغاة والطغاة الثوريين .
وسوم :

التعليقات مغلقة.

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك