دير الزور (2011 ـ2014): احتكارُ اقتصادٍ حربيّ

رنا خلف.

ربما تكون سوريا، خلال الصراع الحالي، قد خَلَت من الحكومة في كثير من مناطقها، لكنها لم تَخْلُ من الحكم. حيثما كفّت المؤسسات الحكومية عن الوجود، مع تدمير البنية التحتية والتوقّف عن تقديم الخدمات الأساسية (الصحة والمأوى والتعليم والصرف الصحي والكهرباء، الخ) أو فشله التام، كانت النتيجة النزوح الجماعي، وانعدام الأمن، والمعاناة واسعة النطاق، وضيق سبل العيش. لكن السكان المحليين الذين يعيشون في ظلّ الصراع، وكما هو حالهم في أمثلة تتراوح من أفغانستان إلى الصومال والبوسنة، لم يقفوا مكتوفي الأيدي؛ وأنشأوا أجهزةَ حكمٍ تجعل وضعهم أكثر قابلية للتوقّع وأكثر ملاءمة للعيش. وفي مثل هذه الحالات، كانت تنشأ أحياز أو جيوب للسلطة٬ حيث يدفع فاعلون متنوّعون مزاعمهم المتنافسة مطالبين بالسلطة وبضروب من النظام. والمجتمع المدني هو فاعل رئيس بين هؤلاء الفاعلين، شأنه شأن أمراء الحرب والقبائل والجماعات المسلحة والفاعلين الدوليين والجماعات المتطرفة. وقد تحارب هؤلاء، وتعاونوا، وتداخلوا أو تعايشوا إلى أن توصّلوا إلى ترتيبات معمول بها فيما بينهم. ويمكن قياس نجاحهم أو فشلهم في إقامة حكم محلي على أساس أبعاد ثلاثة: الفعالية والأمن والشرعية.
تعني «الفعالية» التوفير المنتظم والمتساوي للاحتياجات الأساسية مثل الكهرباء والماء والغذاء وفرص العمل، وغير ذلك. وقد يتضمّن هذا تدابير أكثر استدامة متعلقة بإعادة تشغيل و/أو تجديد الدورة الاقتصادية وفرص العيش. ويشمل «الأمن» تأمين حياة المدنيين بطريقة منهجية وليس بطريقة مرتجلة، من خلال إنشاء الشرطة والنظام القضائي والقوات المسلحة وإدامتها وإدارتها. ويتّسع الأمن ليطال حماية البنية التحتية والمنازل والمدارس ومصادر العيش، مثل خطوط الطاقة والأنابيب والطرق، من النهب والتدمير. وتشير «الشرعية» إلى «مجموعة معقدة من المعتقدات والقيم والمؤسسات (الداخلية والخارجية) ذات صلة بالعقد الاجتماعي الحاكم لعلاقات الدولة بالمجتمع». وفي حالات الصراع، ترتبط الشرعية بتوفير الخدمات الأساسية والتدابير الأمنية بطريقة مسؤولة وتمكن المحاسبة عليها أمام المواطنين المحليين.
يوضح ملخص دراسة الحالة التالية ديناميات الحكم المعقدة على الأرض خلال الصراع في دير الزور، بدءاً من خروجها من سيطرة الحكومة حتى أيار 2014. وهي دراسة تستخدم أبعاد الحكم الآنفة (الفعالية والأمن والشرعية) لتقويم السلطة والحكم على الأرض.
دير الزور، المصدر الرئيس للنفط في سوريا، محافظةٌ غنية٬ لكن النظام احتكر مواردها وتركها نهباً للتخلف. يستمدّ أهل دير الزور مصادر رزقهم من الزراعة والتجارة والعمل في القطاع العام أو في شركات النفط الخاصة والحكومية (وإن كان ذلك في مراتب العمل الدنيا). ودير الزور ذات طبيعة قبلية لكن قبائلها منقسمة في ما بينها، تمزّقها منظومات المحسوبية التي كرّسها النظام. وتزداد السلطة السياسية والاجتماعية المتشظية التي تحوزها هذه القبائل كلما انتقلنا إلى المناطق الريفية. وتشمل القبائل الرئيسة البكّارة والخرشان والمعامرة والعقيدات. واحتوى النظام عديداً من هذه القبائل من خلال إبدال زعمائها بسواهم. وأُسند ذلك، بغية الحفاظ على أمنه، بحكمِ حاكمٍ فاسدٍ هو جامع جامع الذي تلاعب بهم وكان يجني المكاسب الاقتصادية حتى من أصغر الأعمال في المدينة. كان جامع جامع مكروهاً على نطاق واسع. وفي بداية الانتفاضة، كان سقوطه المطلب الأول في دير الزور، قبل سقوط النظام.
كان «تحرير» أجزاء من دير الزور من قبل فصائل من المعارضة المسلحة عنيفاً ومكلفاً، من حيث الخسائر البشرية والمادية. وبرغم أنَّ الانتفاضة بدأت سلمية في المدينة، إلا أنها سرعان ما تحولت إلى العنف مع مستوى مرتفع جداً من العسكرة والقصف. ونظراً إلى مواردها النفطية الغنية، فإنَّ دير الزور هي واحدة من أكثر المناطق تنازعاً عليها وأشدّها دماراً في سوريا اليوم.

الصراع على النفط والسلطة
في المدينة، عمدت «جبهة النصرة» – كونها الجماعة المسلحة الأقوى والتي جنّدت من بين القبائل المحلية نسبةً كبيرة جداً من جيشها٬ إلى إقامة محكمتها الشرعية الخاصة وبدأت تطبيق أحكامها وأنظمتها على الأرض. لم يرضِ احتكارُ السلطة هذا الجماعات المسلحة المحلية الأخرى التي لم يكن لأيّ منها قِبَلٌ بمواجهة «النصرة» منفرداً، لكن تشكّل معاً تهديداً كبيراً لها. ولذلك، أُعيد التفاوض على السلطة في المحكمة الشرعية وانتهى بتقاسمها بين مختلف الجماعات المسلحة المحلية، ولكن تحت قيادة «النصرة». وفي منطقة الميادين الريفية المجاورة، وبينما كانت الجماعات المسلحة منكبّة على حماية حقول النفط التي أخذتها وعلى تقاسمها مع قبائلها، تمكنت «النصرة» التي كانت تسيطر على أكبر حقول النفط، من فرض السلطة الأقوى. ومحكمتها الشرعية هناك امتداد لتلك التي في المدينة وتدعمها على الأرض هياكلها الشبيهة بالشرطة، أو «الأمن العام الإسلامي». لكن الوضع لم ينفكّ يتغير كل يوم. وقد شهد ريف دير الزور معارك دامية بين «النصرة» و «داعش» للسيطرة على حقول النفط والسلطة. وفي هذه المعارك العنيفة بين الطرفين، نأت الجماعات المسلحة المحلية في المدينة بنفسها عن الوقوف مع أي منهما، في حين ظلت الريفية منها على انشغالها بحماية حقولها – وفي كثير من الأحيان حقول قبائلها – النفطية٬ ليعلو في النهاية كعب «داعش» على «النصرة».
الفاعلون الأساسيون في حكم الأجزاء الخارجة عن سيطرة الحكومة في دير الزور تشكلوا من الجماعات المسلحة، والقبائل، و «داعش»، و «النصرة»، والمحكمة الشرعية، والمجلس المحلي وجماعات المجتمع المدني المحلية. وفي ما يلي تقويمٌ لهؤلاء الفاعلين تبعاً لعوامل الحكم:
الفعالية: نظراً إلى العسكرة الثقيلة وما نجم عنها من أمراء الحرب، حيث استولت الجماعات المسلحة المختلفة والقبائل المرتبطة على حقول النفط، يبدو أنَّ الفعالية خصخصها اقتصادُ حربٍ يقف فيها كلٌّ مع جماعته. والحال، إنّ المحكمة الشرعية ذاتها لم توفر من الخدمات ما يتعدّى القواعد والأنظمة التي فرضتها على السكان المحليين بفضل «جذريتها» وقوتها العسكرية اللتين عادتا عليها بالشعبية في بداية حكمها. أمّا على مستوى أدنى، فيقدّم المجلس المحلي في المدينة وبعض جماعات المجتمع المدني خدمات عامة ومساعدات إنسانية. وبرغم القدرات والموارد المحدودة، عاد ذلك عليها بكثير من احترام الأهالي. لكن الفعالية بمجملها ظلّت مرتبطة بديناميات قوة الجماعات المسلحة في صفقاتها مع بعضها بعضاً ومع النظام. وعلى سبيل المثال، كان من الشائع كثيراً أن ينشب نزاع مسلح على مورد من الموارد، وغالباً ما يهدأ لمصلحة الجماعة المسلحة الأقوى أو التي تدعمها المحكمة الشرعية. وكذلك، سوّيت أمور السلع العامة مثل الكهرباء والماء من خلال سيطرة الأطراف المتحاربة على مصادرها. مثال على ذلك صفقة «الغاز مقابل الكهرباء» بين النظام والجماعة المسلحة المحلية٬ حيث تسيطر هذه الأخيرة على «كوناكو» ـ مصنع الغاز الرئيس في البلاد٬ في حين يسيطر النظام على الكهرباء.
الأمن: القصف العنيف الذي ظلت دير الزور تناله من النظام جعل الوضع الأمني فيها هو الأسوأ، خصوصاً في المدينة التي بلغ التنازع عليها أقصاه. وهناك، كانت «النصرة» تحمي، باعتبارها الجماعة الأقوى، محكمتُها الشرعية التي يُنظَر إليها على أنّها غالباً ما تخدم مصالحها الأمنية الخاصة لا مصالح الأهلين. أما بالنسبة إلى أمن هؤلاء الأهلين، فمسؤولية كلّ جماعة مسلحة أن تحمي أناسها. والحال، إنّ المجلس المحلي ذاته وثيق الصلة بالجماعة التي تحميه. أمّا في الريف، فالقصف كان أقل نسبياً، والجماعات المسلحة أكثر انشغالاً في تأمين مكاسبها النفطية، و «الأمن العام الإسلامي» التابع لـ «النصرة» يوفّر للأهالي بعض الأمن على الأرض. لكن الوضع العام يعكس حقيقة أنَّ اقتصاد الحرب الذي أفاد عديداً من الجماعات القبلية والمسلحة وحتى أمراء الحرب الأفراد، دفع كثيراً من هؤلاء إلى إدامة انعدام الأمن.
الشرعية: مع الحلقة التي خلقها اقتصاد الحرب في أنحاء المحافظة كلّها، ولا سيّما في المدينة، ضاعت الشرعية. عندما أقامت «النصرة» محكمتها الشرعية أول مرّة، نظراً إلى سجلّها في هزيمة النظام، كانت تتمتع بشيء من الشرعية، خصوصاً أنها لم تكن تتدخل كثيراً في الشؤون المحلية. لكنها حين ازدادت قوة راحت تضع قواعدها وأنظمتها التي راحت بدورها تزداد فساداً واستناداً إلى نظم المحسوبية. وبدأت تتدخّل في حياة السكان اليومية وحقوقهم. وطال ذلك حقوقهم المدنية، إذ راحت تعتقل الناشطين المحليين؛ وتتعدّى على حقوقهم الاقتصادية، باستيلائها على جميع المنازل والمحالّ التجارية الخالية. وفي الوقت نفسه، فشلت «النصرة» في البناء على شرعيتها المرتبطة بقوتها وتوفيرها الخدمات والأمن. وفقدت شرعيتها في أعين الأهلين، ما عدا أولئك الذين يشاطرونها أيديولوجيتها من الجماعات الدعوية. وبدا أن المجلس المحلي أكثر شرعية ويحظى باحترام كبير بسبب فعاليته النسبية في توفير السلع العامة، برغم موارده المحدودة. لكن هذا المجلس لم يقم قط بأي دور لمحاسبة المحكمة. أمّا المجتمع المدني، ونظراً إلى العسكرة الثقيلة وزيادة قمع «النصرة»، فبقي ضعيفاً جداً واضطر للابتعاد عن السياسة وقصر عمله على المساعدات الإنسانية. ويبدو أنَّ منظمات المجتمع المدني دفعت إلى تبني هويات دينية؛ فيما تلك التي لم تفعل همّشت.
مع ذلك، عندما وقعت انتهاكات فادحة لما هو مقبول لدى الأهالي، دافعوا عن أنفسهم، حتى من دون أن تقوم جماعات المجتمع المدني بتعبئتهم. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك المظاهرة الحاشدة ضد المحكمة الشرعية التي شارك فيها عدد كبير جداً من سكان المدينة للمطالبة بالإفراج عن أربعة من الناشطين المحليين الذين اعتقلتهم «النصرة». ولم يكن الأمر مقتصراً على هوية هؤلاء المعتقلين ـ الذين هم من قادة المجتمع الشباب ويتمتعون بقدر كبير من الشرعية بل تعدّى ذلك بكثير إلى كيفية اعتقالهم. إذ أُخِذ اثنان منهم من حفل زفافهما وقام مقاتل تونسي بصفع العروس. وعنى ذلك للأهالي إهانة مطلقة لكرامتهم، وعلى يد غريب. ولم تتوقف المظاهرة إلا بعد إطلاق سراح المعتقلين الأربعة.

<<السفير اللبنانية>>

ملخص دراسة مترجمة صادرة عن «مركز الدراسات السورية» التابع لجامعة «ساينت آندروز» البريطانية٬ تنشر في إطار التعاون بين «السفير» والمركز.

وسوم :

التعليقات مغلقة.

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك