سوريا تمتحن هدنتها الشاقة .. على أمل!

من هاتَفَ غرفة عمليات حميميم من الفصائل السورية المسلحة فهو آمن ومعتدل، لأسبوعين على الأقل، بحسب الشروط التي أعلنتها «الهيئة التفاوضية العليا» المعارضة المتمركزة في كل من الرياض واسطنبول.
الهاتف في غرفة العمليات الروسية لمتابعة وقف إطلاق النار في مطار حميميم، لم يتوقف عن الرنين قبل انقضاء منتصف نهار أمس. 97 مرة قُرع الهاتف الروسي، بعدد الفصائل المسلحة التي ملأت الاستمارة الروسية الخاصة بالالتحاق بوقف العمليات، مع تحديد أماكن انتشار قواتها، وإحداثيات مقارها، وخرائط مواقعها، لكي تحصل على مظلة الحماية الدولية، من الغارات الروسية.
اللائحة التي لم يكشف عنها نسبية التأثير، نظراً لوجود أكثر من الفي فصيل مقاتل في سوريا، لكنها بداية جيدة لفرز المعارضة المسلحة بين مؤيدي اختبار المسار السياسي، من معارضيه، وعزل المجموعات الأكثر تطرفاً، واختبار حقيقة التزام هذه المجموعات بالحل السياسي، من خلال إدراجها في مرحلة لاحقة بالحرب على الإرهاب، وهو أحد شروط العملية السياسية، وخريطة الطريق كما وُضعت في «فيينا ـ 1»، والتي تخلط أوراق السلاح في سوريا، والجبهات لتوحيدها تحت عنوان الحرب على الإرهاب.
ولكن هذا الاستحقاق لا يزال بعيداً، بانتظار استكمال عملية الفرز، وتوسيع لائحة من يهاتفون غرفة عملية حميميم. ولم يذهب الروس أنفسهم نحو الإفراط في التفاؤل، معوضين عن نقص الشروط، وقلة الملتحقين بركب العملية، بالتعبير عن الإرادة بمواصلتها. إذ قال الرئيس فلاديمير بوتين، لقادة المخابرات الروسية أمس، «إننا نفهم وندرك تماماً أنها ستكون عملية صعبة بل حتى متناقضة ربما، لكن لا بديل من السير في اتجاه تسوية سلمية للنزاع وتوفير الظروف من اجل أن تبدأ مثل هذه الآلية»، ولكن الحرب ستستمر في المقابل ضد تنظيم «داعش» و «جبهة النصرة»، فرع تنظيم «القاعدة» في سوريا، و «منظمات إرهابية أخرى» يصنفها مجلس الأمن الدولي كذلك، «بلا هوادة».
والأرجح أن عملية الفرز الجارية قد تغني جزئياً عن المشادات بين الأميركيين والروس، في التوصل إلى لائحة مشتركة للتنظيمات الإرهابية، التي بذل الأميركيون جهوداً كبيرة لتجنيب «النصرة» الحلول فيها. وكان صعباً بسبب تصنيف الأمم المتحدة لها وتوصيفها بذلك، فيما اختارت «أحرار الشام» البقاء في تلك اللائحة، بعد أن رجح التيار «القاعدي» في الفصيل الأقوى عسكرياً في سوريا، البقاء في خنادق «النصرة». وكان عزل أبو جابر هاشم من القيادة العسكرية، قبل أشهر، مؤشراً على انتصار الجناح «القاعدي» الداعي الى الاندماج مع «جبهة النصرة». وكان أبو صالح الطحان القائد العسكري قد أعلن أمس رفضه أي هدنة لا تشمل «النصرة». ولن يكون سهلاً مع الإبقاء على هذين التنظيمين في خنادق الحرب، منح حظوظ جدية لوقف العمليات العدائية، إذ يقاتل في صفوفهما أكثر من 30 ألف رجل، ما يزيد من تداخل الجبهات مع الفصائل الأخرى.
وعملياً، فإن الصورة الأولية لجبهات الهدنة، كما رسمتها غرفة العملية الروسية، لن تتجاوز بعض مناطق الغوطة بسبب انضمام «جيش الإسلام» إلى العملية، مع ضرورة التأكد من ذلك في الساعات المقبلة، مع استثناء لافت لداريا في الغوطة الغربية، إذ من المستبعد أن يقبل الروس والسوريون الإبقاء على هذه البؤرة، بغض النظر عمن يقاتل فيها، على مقربة من مطار المزة العسكري، وتهديد مدارجه، أو تهديد الأحياء الغربية للمدينة، خصوصاً أن الجيش قد استكمل فصلها عن طرق الإمداد في معضمية الشام، منذ أسبوعين، تمهيداً لعملية عسكرية واسعة ضدها. كما أن مناطق اللاذقية، وشمال حلب، وإدلب، وسهل الغاب في شمال غرب حماه، وريف حماه الشمالي ستظل مسرحاً للعمليات. وقد تحظى بعض أرياف حمص الشمالي ببعض الهدوء في تلبيسة والرستن، حيث تنتشر «حركة تحرير حمص» و «لواء الحق»، وبعض بقايا «الفاروق». كما أن شرقي درعا قد يشهد بعض الهدنة، فيما تستمر العمليات غرب درعا والقنيطرة حيث تتمركز ألوية «النصرة».
ويبدو أن التفاهم الروسي – الأميركي ينحو نحو رهان اكبر على تحقيق تقدم سياسي، وانتزاع تنازلات سياسية من جميع الأطراف، أكثر مما يراهن على وقف العمليات العدائية، ولكن إطلاقها يساعد البحث عن تسوية سياسية، كما أن القرار الدولي 2268 الليلي يربط بشكل نهائي بين المسارات السياسية والعسكرية على الأرض. لكن توازن القوى الميداني يشير إلى أن هذه التسوية ستكون على حساب المعارضة، التي تعرضت إلى هزائم كثيرة مع «عاصفة السوخوي»، والى تضاؤل هامش مناورة حلفائهم، كالسعودية أو تركيا.
وتم اختيار ساعة واحدة تسبق ساعة الصفر لوقف الأعمال العدائية منتصف ليل أمس، لتعزيز العملية عبر استصدار القرار الدولي 2268 من مجلس الأمن الدولي لتأطير الإعلان الروسي – الأميركي في ميونيخ، بحصانة دولية، واحتواء المعارضات الإقليمية لاختبار وقف العمليات العدائية وتقليص هامش مناورتها، من خلال محاصرة المجموعات المسلحة، بتفاهم دولي، وإلزام الأطراف السورية باحترام العملية. كما وضع على السكة مطلباً يؤمن نهائياً الاستجابة لمطالب مجموعة الرياض، حيث يدعو جميع الدول إلى استخدام نفوذها لدى الحكومة السورية والمعارضة السورية للمضي قدماً في عملية السلام، وتدابير بناء الثقة، بما في ذلك الإفراج المبكر عن الأشخاص المحتجزين بصورة تعسفية، وبخاصة النساء والأطفال، وتنفيذ وقف القتال. كما يفتح طرق الإمداد إلى لائحة أوسع من المدن والبلدات، مما نص عليه إعلان ميونيخ، وهي مدينة دير الزور، الفوعة، كفريا، الزبداني، مضايا، بقين، داريا، معضمية الشام، دوما، شرق حرستا، عربين، زملكا، كفر بطنا، عين ترما، جسرين، مخيم اليرموك، حمورية، سقبا، اليرموك، شرقي وغربي ريف حلب، إعزاز، عفرين، التل، الرستن، تلبيسة، الحولة، تيرمعلة، الملاح، الغنتو، دير بعلبة، الوعر، يلدا، بابيلا وبيت سحم.
وهو إعلان يستبعد بعناية منطقة العمليات الروسية – السورية في الشمال السوري، لا سيما ريف حلب الشمالي والأجزاء الشرقية من حلب التي تنتشر فيها بشكل واسع «جبهة النصرة»، كما استبعدت مناطق إدلب، ما يؤكد أنها ستبقى في نطاق العمليات المشتركة السورية – الروسية. ويشكل هذا الاستبعاد اختباراً كبيراً لجميع الأطراف، لمعرفة قدرة الاتفاق على تحييد المجموعات المسلحة، في حين يستمر الجيش السوري والروس بالتقدم نحو مواقع حلفائها من «النصرة» وغيرها في إدلب، الوجهة المقبلة للجيش السوري، لا سيما جسر الشغور، فضلاً عن معرفة رد الفعل التركي، مع مواصلة التحالف الروسي السوري مواصلة التقدم بشكل أسهل، مع تحييد بعض الفصائل، نحو إقفال خطوط إمدادها مع تركيا، خصوصاً أن فصائل، كـ «الزنكي» و «الجبهة الشامية» و «فيلق الشام»، تشكل رأس الحربة، من بعد «النصرة» في جبهات الشمال السوري.
وكان لافتاً عودة القرار 2268 إلى التأكيد على ضرورة تشكيل الوفود المعارضة من المجموعات التي شكلت اجتماع القاهرة وموسكو والرياض، وهي رسالة واضحة إلى الوسيط ستيفان دي ميستورا، بمراجعة موقفه من ترجيح كفة مجموعة الرياض، وفتح الباب أمام المجموعات الأخرى، كوفود أصيلة وليست استشارية، عندما يستأنف المفاوضات في مونترو وجنيف في السابع من آذار المقبل.

وسوم :

التعليقات مغلقة.

. اشترك فى النشرة البريدية

انضم لنشرة حركة المجتمع التعددي لتكون دوما على المام بجديد الاخبار

تابعنا على الفيسبوك

إخترنـا لـك